كتب اسكندر خشاشو في" النهار": لم يعد الحديث عن احتمال انتقال "
حزب الله " إلى الداخل اللبناني مجرد فرضية تحليلية، التصريحات الأخيرة الصادرة عن
عضو المجلس السياسي وفيق صفا وقبله القيادي محمود قماطي ترفع هذا الاحتمال إلى مستوى
النقاش الجدي داخل الحزب نفسه، وتكشف عن مقاربة مختلفة لما بعد الحرب: تحويل "إنجاز الصمود" إلى رافعة تهويل لفرض تغييرات داخلية.
والواقع أن في الحزب نقاشاً فعلياً يتبلور، محوره المظلة الإقليمية، هل تصبح أقل سخاء وأقل قدرة؟ وهل يكون التعويض عبر الداخل، أي عبر تثبيت مكاسب سياسية وأمنية تعوّض جزئياً أي تراجع خارجي؟
لكن
لبنان اليوم ليس ساحة قابلة للاحتواء كما في مراحل سابقة، أي محاولة لفرض تغييرات بالقوة أو تحت التهديد قد تفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي الواسع والانهيار الاقتصادي العميق.
في كلام صفا أكثر من إشارة لا يمكن تجاهلها، من التلويح بإجبار الحكومة على
التراجع عن قراراتها، إلى فتح الباب أمام استخدام الشارع "في مرحلة لاحقة"، وصولاً إلى الحديث عن "أجندة مختلفة" بعد الحرب. كلها علامات على أن الحزب لا ينظر إلى نهاية المواجهة على أنه خاتمة، بل بداية لمرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب التوازنات الداخلية.
وكتب إبراهيم بيرم في" النهار": ما الذي جعل "حزب الله" في هذه اللحظة يذكر بمحطة السابع من أيار المشؤومة، ليعلن أنه سيجر الحكومة الحالية على التراجع عن قراراتها الأخيرة في شأن حظر نشاطه العسكري؟
هذا السؤال تبدى عندما ظهر وفيق صفا فجأة ليبلغ من يعنيهم الأمر أن الحزب يعد لمرحلة عنوانها العريض الاستعداد للمضي إلى مواجهة بلا سقوف مع الحكومة الحالية على نمط المواجهة التي ذهب إليها عام 2008 مع حكومة
السنيورة الأولى، ليفرض عليها التراجع عن قراراتها في شأن سلاح الحزب.
بعد وقت قصير من إطلالة التحدي تلك، ظهر الرئيس سلام في إطلالة تلفزيونية ليطلق رداً نارياً على صفا، واستطراداً الحزب، وفيه تصميم إضافي على أنه ليس في وارد تكرار تجربة السنيورة لأنه لن يتراجع عما بدأ به في مجال حظر النشاط العسكري للحزب ونزع سلاحه، وليعلن أيضاً أنه لا يكترث بتهديدات الحزب، وأنه ذاهب إلى خيار التفاوض المباشر مع
الإسرائيلي بعدما نجحت الحكومة في إسقاط الحظر التاريخي عن هذا الفعل.
وفق أجواء الحزب أنه كان مضطراً إلى إبراز الوجه التصعيدي عنده انطلاقاً من اعتبارات عدة، أبرزها:
التأكيد أن صفا، الذي كثرت التكهنات بمصيره بعد إقالته من منصبه السابق (رئاسة وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب)، ما زال في قيادة الحزب، وسيتولى من الآن فصاعداً مهمة
الصدام الأول مع السلطة.
أن الحزب ماضٍ إلى الاحتمالات القصوى في علاقته مستقبلاً بالسلطة "لاستعادة
الهيبة " ولإجبار الحكومة الحالية على التراجع عن قرارات اتخذتها، وآخرها في 2 آذار الجاري.
وعليه، صار واضحاً أن كلا الطرفين رسما صورة العلاقة بينهما في المرحلة الحالية والمقبلة، وأن كليهما مستعد للمواجهة لأن أي تراجع من أي منهما معناه بداية النهاية لمشروعه السياسي، خصوصاً أن سلام يرى أن سعيه الدؤوب إلى نزع سلاح الحزب فرصة سانحة لها مقدمات لن تتكرر، في حين أن الحزب الذي فتح حربه على
إسرائيل ، يعتبر أيضاً أن فرصته "لاستعادة الهيبة".
حيال ذلك، يبرز السؤال: إلامَ يقود هذا الواقع المحتقن واستطراداً هذا التحدي المتبادل بين الحزب وسلام؟
ليس لدى الحزب جواب حاسم، لكنه يجد نفسه مضطراً إلى التذكير بأنه أعاد إنهاض نفسه من معادلة الهوان والضعف، وشرع في مواجهة شرسة مع إسرائيل وأعدّ نفسه لمواجهة الخصوم الداخليين، علّهم يعيدون النظر في حساباتهم.