آخر الأخبار

في مواجهة غلاء النفط العالمي: الدولة تزيد العبء على المواطن

شارك

في اللحظة التي ترتفع فيها أسعار النفط عالمياً بسبب الحرب أو غيرها يتحول الامر الى ضغط يومي مباشر على حياة الناس، وخصوصاً في بلد ك لبنان يعاني أصلا من الحرب وكل تداعياتها.

لارتفاع اسعار النفط تأثير على كل شيء، النقل، الغذاء، الخدمات، وحتى القدرة على البقاء، في لبنان كما في كل مكان. ما يجري اليوم في الأسواق العالمية يأتي نتيجة تداخل عوامل معقدة، من التوترات الجيوسياسية إلى سياسات الإنتاج التي تقودها، مروراً بارتفاع الطلب العالمي، والأهم الحرب حيث تأثر الانتاج بشكل كبير، وكلها عوامل تدفع الأسعار إلى الأعلى ولو بقي سعر البرميل داخل دوامة لفترة معينة.

لكن المشكلة في لبنان لا تبدأ من السعر العالمي، بل من الطريقة التي يُترجم بها هذا السعر داخلياً. فبينما تعمد دول كثيرة إلى امتصاص جزء من الصدمة عبر تخفيف الضرائب أو تقديم دعم مرحلي، اختارت الحكومة اللبنانية الذهاب في الاتجاه المعاكس، عبر زيادة الرسوم على المحروقات، بحجة زيادة وارداتها، وكأنها تفترض أن السوق قادر على تحمّل المزيد من الأعباء في لحظة هو فيها أصلاً على حافة الانهيار، وبالتالي تجهد الحكومة بتحميل المواطن اللبناني كامل الازمة.

الواقع أن أي زيادة في أسعار المحروقات في لبنان لا تبقى ضمن إطارها، بل تتسع لتصيب كل القطاعات. كلفة النقل ترتفع فوراً واصبحت كلفة الخدمة بالسيارات العمومية 400 الف ليرة، ما يعني ارتفاع ايضا أسعار السلع الأساسية، كالخضار، الى اللحوم التي ارتفع سعر الكيلو منها بحدود سبعة دولارات خلال شهر رمضان ، كذلك المؤسسات التي تعتمد على المولدات الخاصة تجد نفسها أمام فاتورة مضاعفة اليوم، فتقوم بدورها بتمرير الكلفة إلى المستهلك. حتى الخدمات الأساسية، من المستشفيات إلى المدارس، لا تبقى بمنأى عن هذا الارتفاع.

النتيجة الحتمية هي تضخم مضاعف في بلد يعاني أصلاً من تآكل القدرة الشرائيّة، وفي هذا السياق، تبدو زيادة الضريبة على المحروقات بحدود 3 دولارات وثلث وكأنها قرار معزول عن الواقع، حيث الأرقام على الأرض تقول كل شيء.

لبنان اليوم ليس اقتصاداً طبيعياً يمكنه امتصاص صدمات خارجية، بل اقتصاد هشّ، يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، ويعاني من ضعف في البنية الإنتاجية، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الطاقة بمثابة ضربة مباشرة للداخل.

من هنا، ألا يفترض في مثل هذا الظرف أن تُخفّف الضرائب لا أن تُزاد؟ الا يجب على الحكومة ان تعلق الزيادة على صفيحة البنزين التي وصلت الى حدود 25 دولار وهي بارتفاع مستمر؟

في معظم التجارب العالمية، تلجأ الحكومات في أوقات الأزمات إلى خفض الرسوم على المحروقات كإجراء سريع لتخفيف الضغط عن المواطنين والقطاعات الإنتاجيّة بما يسمح بامتصاص الصدمة. أما الإبقاء على الضرائب المرتفعة، أو زيادتها، فيعني عملياً نقل الأزمة من الأسواق العالمية إلى جيوب الناس مباشرة.

قد يُقال إن الدولة بحاجة إلى الإيرادات، وإن الوضع المالي لا يسمح بالتنازل عن مصادر دخل إضافية. وهذا صحيح جزئياً، لكن السؤال الأهم هو أيّ جدوى لإيرادات تُحصّل من اقتصاد ينهار، فحين ترتفع كلفة الإنتاج إلى مستويات غير محتملة، تتراجع الحركة الاقتصاديّة، وتُغلق المؤسسات، وتزداد البطالة، ما يعني في النهاية تراجعاً أكبر في الإيرادات على المدى المتوسط، أيّ أن السياسة الحالية للحكومة قد تؤمّن دخلاً سريعاً، لكنها تسرّع في استنزاف الشعب الذي ينتج هذا الدخل.

يبقى في ظل هذا الواقع على الحكومة أن تقرر، فإمّا تحاول حماية الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي عبر تخفيف الأعباء في لحظة أزمة، أو تفضّل الحفاظ على إيراداتها حتى لو جاء ذلك على حساب ما تبقّى من قدرة الناس على الاحتمال.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا