آخر الأخبار

الجسور في مرمى النار… هل بدأت إسرائيل حربًا على الدولة اللبنانية نفسها؟

شارك

مع كلّ يوم، تزداد الحرب الإسرائيلية على لبنان وحشيّةً وقساوةً، وقد بات اللبنانيون جميعًا، من دون أيّ استثناء، ضحايا لها، إن لم يكن بشكل مباشر عبر الشهداء والجرحى والبيوت المدمَّرة والنزوح الذي تبدو فاتورته باهظة، فبشكل غير مباشر من خلال حالة التروما التي أوقعتهم فيها، حتى بات كثيرون عاجزين عن مجرّد النوم بأريحية، بعيدًا عن "كوابيس" الغارات الغادرة أو إنذارات الإخلاء المباغتة في ساعات الفجر.

ومع ازدياد شراسة هذه الحرب، تتّسع أيضًا دائرة الأساليب والتكتيكات المعتمدة فيها، وآخرها استهداف الجسور، الذي وإن كان ملازمًا لمختلف الحروب الإسرائيلية تاريخيًا، لا يمكن اختزاله بوصفه تفصيلًا ميدانيًا عابرًا. فالجسر ليس مجرد معبر هندسي أو مرفق خدمي، بل أداة ربط جغرافي، ومسارًا إلزاميًا للإغاثة والتنقل وحركة الاقتصاد اليومي. وعندما يوضع في مرمى النار، فإن السؤال يتجاوز الحساب العسكري المباشر ليصل إلى عمق الاستراتيجية السياسية الكامنة وراء هذا النوع من الاستهداف.

من هنا، لا يبدو استهداف الجسور مجرد حلقة إضافية في بنك الأهداف الإسرائيلي، بل مؤشرًا إلى تحوّل أعمق في طبيعة الحرب نفسها. فالمسألة لم تعد محصورة في تضييق الخناق على " حزب الله " ميدانيًا، بل باتت تلامس، بالتوازي، قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك ببلدها، وعلى الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل بين مناطقه، وعلى إبقاء وظائفها الأساسية قائمة تحت النار. وبذلك، يبرز السؤال الأهم: هل باتت الدولة نفسها في قلب بنك الأهداف، تحت عنوان غير معلن هو "كسر الدولة" لا مجرد استنزاف خصومها؟

ماذا يعني استهداف الجسور؟

في الحسابات العسكرية البحتة، يمكن إدراج قصف الجسور ضمن محاولات قطع الحركة والتضييق على خطوط الإمداد. لكن هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم دلالة ما يجري في الحالة اللبنانية. فالجسر هنا لا يختصر وظيفة لوجستية فحسب، بل يختزن وظيفة سيادية أيضًا، لأنه جزء من البنية التي تسمح للدولة بأن تبقى ممسكة بالحد الأدنى من التواصل بين مناطقها، وبأن تؤمّن استمرار الحياة اليومية ولو في حدودها الدنيا.

من هنا، لا تعود قيمة الاستهداف في ما يقطعه ميدانيًا فقط، بل في ما يكشفه سياسيًا أيضًا. فحين تصبح الجسور هدفًا، لا تكون الرسالة موجهة إلى "حزب الله" وحده، بل إلى الدولة التي تبدو عاجزة عن حماية المرافق التي تجعل البلد متصلًا بنفسه. وهذا هو الفارق بين ضربة تكتيكية محدودة، وبين ضغط يتجاوز الميدان إلى وظيفة الدولة وصورتها ومعناها العملي.

ويعني ذلك أنّ الضغط لم يعد محصورًا في البيئة القتالية وحدها، ولم يعد الاستهداف مقتصرًا على المقرات العسكرية أو المخازن التابعة لـ"حزب الله"، بل تمدّد إلى البيئة الوطنية الأوسع. فإسرائيل اليوم لا تضرب الحجر فحسب، بل تضرب قدرة البلد على البقاء متماسكًا، وتدفع الداخل اللبناني نحو شعور طاغٍ بأنّ الدولة غير قادرة حتى على الحفاظ على أوصالها، وهو ما يمهّد الطريق لفرض وقائع سياسية وأمنية تحت ضغط الركام.

"كسر الدولة"

في العادة، تبدأ الحروب بضرب المقاتلين والمخازن والمنصات ومراكز القيادة. أما حين تنتقل إلى الطرق والجسور والبنى التحتية، فهي تكون قد بدأت بالانتقال من استنزاف الخصم إلى إنهاك المجال الذي يتحرك فيه البلد كله. وهنا تكمن خطورة التحول القائم. فإسرائيل لا تبدو وكأنها تكتفي باستهداف البيئة القتالية لـ"حزب الله"، بل توسّع تعريف الهدف نفسه، بحيث لم يعد مقتصرًا على من يحمل السلاح، بل شمل أيضًا ما يربط البلد بعضه ببعض، وما يمنح الدولة معناها الوظيفي على الأرض.

الأخطر أنّ هذا التوسيع في تعريف الهدف يأتي مقرونًا بخطاب سياسي واضح. فحين يجري تقديم ضرب الجسور بوصفه رسالة إلى الحكومة اللبنانية بألّا تسمح باستخدام البنى التحتية في خدمة "حزب الله"، فإن الدولة تُنقل عمليًا من خانة العاجز أو المتفرج إلى خانة المسؤول الذي يجب أن يدفع ثمن عجزه. وهذا يعكس تحولًا واضحًا في موقع الدولة داخل المعركة، إذ لم تعد تُعامل بوصفها سلطة ضعيفة تحتاج إلى دعم أو تحصين، بل كبيئة فاشلة أو عاجزة عن إنتاج سلوك مختلف على الأرض.

بهذا المعنى، يصبح الضغط على الدولة جزءًا من منطق الحرب ذاته، لا نتيجة جانبية له. إلا أنّ ما يصحّ وصفه بـ"كسر الدولة" لا يعني هنا إسقاط مؤسساتها رسميًا أو إعلان الحرب عليها بصورة مباشرة، بل تحويل عجزها إلى أداة ضغط عليها، بحيث تصبح بنيتها التحتية، وقدرتها على الربط بين مناطقها، ووظيفتها في إدارة الحياة العامة، جزءًا من ساحة الاستهداف نفسها.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل استهداف الجسور عن التصعيد الأوسع الذي شهدته الأيام الأخيرة، سواء في الجنوب أو في بيروت . فالمسألة أقرب إلى محاولة لفرض معادلة تقول للبنانيين جميعًا إنّ الكلفة لن تبقى محصورة في الجبهات أو في المواقع العسكرية أو في البيئة المباشرة لـ"حزب الله"، بل ستتمدّد إلى البنية التي يقوم عليها البلد نفسه. وهذا ما يمنح الاستهداف بعدًا يتجاوز الحرب على التنظيم المسلح، إلى حرب على شروط الحياة العامة في لبنان.

العقاب بالبنى التحتية

في هذا المستوى من الحرب، لا يعود الضغط محصورًا في الخصم العسكري، بل يمتد مباشرة إلى الحياة اليومية نفسها، فيربك حركة الناس، ويعطّل الإغاثة، ويزيد عزلة المناطق، ويرفع كلفة التنقل والاقتصاد والخدمات، ويعمّق شعور المجتمع بأنّ الدولة لا تستطيع حتى الحفاظ على أوصال البلد متصلةً بعضها ببعض.

هنا تتبدّى المعضلة اللبنانية في أقسى صورها. فالدولة التي لا تملك أصلًا هامشًا واسعًا من القرار العسكري، ولا قدرة فعلية على فرض معادلات جديدة في الميدان، تجد نفسها مطالبة بأن تتحمّل نتائج ما لا تسيطر عليه. فهي مطالبة من الخارج بأن تضبط الأرض، ومطالبة من الداخل بأن تحتوي الانقسام، ومطالبة من الناس بأن تؤمّن الحد الأدنى من الحماية والاستمرارية، فيما هي، في الواقع، لا تملك الأدوات الكافية لأيّ من ذلك.

وحين يتحول هذا العجز إلى دمار ملموس في الطرقات والجسور والمعابر، لا يبقى الخراب مجرد أثر جانبي للحرب، بل يصبح مادة قابلة للاستثمار في السياسة التي ستليها. ولذلك، فإنّ استهداف الجسور لا يكشف فقط شراسة الحرب، بل يكشف أيضًا هشاشة الدولة اللبنانية حين توضع في امتحان القوة الفعلية، لا في خطاب السيادة النظري. وإسرائيل تحاول، من خلال هذا الدمار، أن تجعل من إعادة الوصل بين المناطق جزءًا من معركة سياسية لاحقة، بحيث تصبح عملية إعادة البناء مرتبطة بسقف أمني وسياسي معيّن.

بكلام آخر، يمكن القول إنّ هذا المسار يهدف إلى انتزاع تنازلات سيادية في مرحلة "اليوم التالي"، وربما استخدام ملف البنى التحتية كورقة ضغط في المفاوضات الدولية حول مستقبل الحدود، أو حول شكل الترتيبات التي ستُفرض على لبنان بعد توقف النار.

إعادة تعريف لوظيفة الدولة

قد لا تكون إسرائيل أعلنت صراحة أنّها تخوض حربًا على الدولة اللبنانية، لكنها تتصرف على نحو يوحي بأنها لم تعد ترى فرقًا كبيرًا بين الضغط على "حزب الله" والضغط على لبنان الرسمي كله. ويتزامن ذلك مع ضغوط أميركية وغربية متزايدة على لبنان الرسمي، بما يفوق قدرته، ويعزّز الانطباع بأنّ الدولة اللبنانية تُدفع أكثر فأكثر نحو أدوار أمنية ورقابية تتقدّم على ما عداها، تحت عنوان الاستقرار الحدودي ومتطلبات مرحلة ما بعد الحرب.

هذا بالتحديد هو أخطر ما في استهداف الجسور: أنه لا يدمّر طريقًا فحسب، بل يضع الدولة نفسها في مرمى النار، بوصفها طرفًا مطلوبًا منه أن يثبت قدرته على الإمساك ببلد لم يعد يملك فعلًا السيطرة الكاملة عليه. بكلام آخر، لم يعد السؤال فقط كيف يُستنزف "حزب الله"، بل كيف يُدفع لبنان الرسمي كله إلى حافة الإنهاك، بحيث تصبح إعادة ترميم الدولة نفسها جزءًا من معركة ما بعد النار.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا