آخر الأخبار

الحياد الملغوم: لماذا تقف دول الخليج على خط النار دون إطلاق رصاصة واحدة؟

شارك

منذ اندلاع الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، و إيران من جهة أخرى، برزت مفارقة استراتيجية صارخة في المشهد الإقليمي: فعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي تتعرض يومياً لوابل من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية التي تضرب البنية التحتية للطاقة والقواعد الأميركية على أراضيها، إلا أنها حافظت على سياسة "السلبية العسكرية المطلقة" ورفضت الانجرار للرد الهجومي المباشر. إن هذا الوقوف على الحياد ليس مجرد مصادفة، بل هو نتاج حسابات دقيقة ومعقدة تتشابك فيها المخاوف الوجودية مع القيود العسكرية والمطامح الجيوسياسية.

المخاوف

لا يعود الموقف الخليجي إلى "الخوف" بمعناه التقليدي، بل إلى إدراك استراتيجي لحجم التكلفة الكارثيّة للدخول في حرب شاملة. تدرك العواصم الخليجية أن أي انخراط هجومي سيؤدي إلى تدمير منجزاتها الاقتصادية والتنموية الضخمة التي بنتها لعقود. والأهم من ذلك، ان الخليج لا يخشى بقاء النظام الإيراني بقدر ما يخشى سيناريو "الانهيار الفوضوي" في طهران؛ إذ ان سقوط الدولة كهيكليّة وتفتتها قد يؤدي إلى حروب ميليشيات تتجاوز الحدود، وأزمات لاجئين ضخمة، وتسرب إشعاعي أو نووي محتمل، فضلاً عن دمار أسواق الطاقة التي تعتمد عليها دول الخليج بشكل كلي. لذلك، يُعد الحفاظ على هذا الموقف الدفاعي الخيار الأقل ضرراً لتجنب الانزلاق في فوضى لا يمكن السيطرة عليها.

الاستنزاف

في هذا الاطار، اعتمدت دول الخليج استراتيجية تقوم على تفادي الحرب عبر الاحتماء خلف منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتقدمة (مثل أنظمة باتريوت وثاد)، والتي تلعب دوراً دفاعياً حاسماً. وقد أثبتت هذه المنظومات فعالية عالية في البداية، حيث سجلت دولة الإمارات، على سبيل المثال، نسبة اعتراض مهمّة للطائرات المسيرة وللصواريخ، مما مكنها من حماية مدنها وبنيتها التحتية واستيعاب الصدمة الاولى دون الحاجة لرد هجومي.

لكن هذا الموقف الدفاعي البحت يحمل انعكاسات خطيرة؛ فالاستراتيجية الإيرانية تقوم على إمطار المنطقة بآلاف المقذوفات الرخيصة بهدف استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضيّة الخليجيّة والأميركية الباهظة الثمن. وقد استهلكت دول الخليج ما يعادل إنتاج سنوات من الصواريخ الاعتراضيّة في غضون أيام قليلة، مما خلق أزمة نقص حادة (نظراً لأن الولايات المتحدة تنتج حوالي 600 صاروخ باتريوت فقط سنوياً)، وهو ما أجبر الدفاعات الخليجيّة على التخلف عن اعتراض بعض الأهداف وبدء سياسة "الاعتراض الانتقائي". هذا العجز والاستنزاف المبرمج يفسر فشل المنظومات في بعض الأحيان، مما يترك البنية التحتية عرضة للخطر.

الاتكال

ال ذلك تبرز أهمية عدم المشاركة الهجوميّة لدول الخليج في كونها كشفت عن القيود الهيكلية لقدراتها العسكرية الذاتيّة. فرغم الإنفاق الدفاعي الهائل، لا تمتلك دول الخليج مخزونات كافية من الذخائر والأسلحة الهجوميّة لشن حرب استنزاف طويلة الأمد ومستقلّة ضد إيران، ويعود ذلك جزئياً إلى القيود التاريخية التي فرضتها واشنطن على مبيعات الأسلحة المتقدمة للحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل في المنطقة. ونتيجة لذلك، تجد دول الخليج نفسها متّكلة كلياً على الآلة العسكرية الأميركية والمظلة الأمنيّة التي توفرها واشنطن. ورغم إعلانها الحياد، إلا أنّ هذا الاتكال يجعل أمنها الجيوسياسي مرتبطاً بشكل وثيق باستراتيجية الولايات المتّحدة، وتجد نفسها ساحة خلفية لحرب لم تخترها، لكنها لا تستطيع الخروج منها.

في الخلاصة، إذا طال أمد الحرب، فإن استراتيجية البقاء في حالة الدفاع والحياد الهجومي تُصرف سياسياً كاستثمار طويل الأجل. من خلال رفض التورط المباشر في تدمير إيران، وبذلك تحافظ دول الخليج على مرونتها الدبلوماسيّة وتجنّب نفسها عداءً تاريخياً مع الشعب الإيراني في حقبة ما بعد الحرب. وعندما تنجلي غبار المعارك وتخرج كل من إيران والاذرع التابعة لها، وربما إسرائيل، منهكة أو مدمّرة من هذا الصراع، ستبرز دول الخليج كقوّة وحيدة احتفظت باستقرارها الداخلي وقوتها الاقتصادية السليمة. وهذا الموقع الاستراتيجي سيمنح قوى إقليميّة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربيّة المتحدة نفوذاً غير مسبوق، مما يسمح لهما بفرض شروطهما، وتوسيع نفوذهما الإقليمي، وهندسة النظام الأمني والسياسي الجديد للشرق الأوسط من موقع القوّة والوسيط الموثوق.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا