الحرب التي يخوضها العدو الإسرائيلي ضد لبنان، رغم قساوتها وعدوانيتها الا انها لا تأتي بشكل عشوائي، أو تحت عنوان ردود الفعل المتفرقة، بل هي وفق مصادر متابعة نموذج له قواعد واضحة ومراحل محددة يُعاد تطبيقها وتكييفها في كل مواجهة.
هذا النموذج يقوم على إدارة التصعيد بشكل متدرّج، بحيث عادة ما تبدأ إسرائيل حربها بالاستهداف العسكري المباشر، ثم تنتقل إلى ضرب البنية الاقتصادية، وصولاً إلى الضغط على البنية الاجتماعية والدينية، ثم بيئة النازحين واللعب على وتر الخلافات الداخلية اللبنانية في محاولة لتحويل الحرب من مواجهة مع قوّة عسكرية إلى صراع مع بيئة كاملة. هكذا ترسم المصادر مسارات كل عدوان إسرائيلي على لبنان، مشيرة إلى أن المسار الحالي اختلف عن السابق لأسباب عديدة أبرزها على الإطلاق غياب بنك الاهداف للمرحلة الأولى.
في المرحلة الأولى، يركّز العدو على ما يعتبره "الأهداف الصلبة"، أي كل ما له علاقة بالمواقع العسكرية، المخازن، البنى التحتية القتالية، والقادة الميدانيين. وهي تُبنى على فرضية أن إضعاف القدرات العسكرية المباشرة سيؤدي إلى تقليص فعالية الطرف المقابل وإرباك منظومته القيادية، وبحسب المصادر فإنه في تجارب سابقة، ولا سيما خلال العدوان في أيلول 2024، اعتمدت إسرائيل على بنك أهداف واسع ما جعلها تستمر في المرحلة الأولى لفترة طويلة جدا، ما أتاح لها إعطاء الانطباع بأن المعركة لا تزال ضمن الإطار العسكري، وهذا ما لا نراه اليوم.
عادة، بعد أن تنتهي اسرائيل من المرحلة الأولى، وخصوصا إذا ما فشلت في تحقيق الاهداف، أو عندما يتبيّن أن بنك الأهداف محدود أو استُنزف بسرعة، يبدأ الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي لاستهداف البنية الاقتصادية للحزب. هنا يتغيّر تعريف "الهدف" ليشمل المؤسسات المالية، شبكات التمويل، والمرافق التي تؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي للبيئة الحاضنة، وبالتالي فإن استهداف مؤسسات مثل القرض الحسن أو محطات الأمانة، يعكس عدم قدرة العدو على إنشاء بنك أهداف عسكري واضح، فهو في العدوان الحالي بدأ باستهداف المنشآت الاقتصادية في الساعات الأولى للحرب، أي أنه أطلق عدوانه من المرحلة الثانية بعد فشل الاولى في استهداف الضاحية الجنوبية بعد اطلاق الصواريخ الستة من الجنوب.
تعتبر المصادر أن انتقال العدو لتنفيذ المرحلة الثانية من عدوانه يعني انتقاله من محاولة كسر القوة العسكرية إلى محاولة خنق القوة الاقتصادية والإجتماعية والدينية، وبعدها البيئة الشعبية، وبالتالي فإن استهداف البنى الإقتصادية المستمر اليوم، قد ينتقل بحال استمرت الحرب لاستهداف مراكز اجتماعية، دينية وثقافية وصحية وتربوية أيضاً.
في المرحلة الثالثة، وهي الأخطر، يصبح النازحون، وبيئتهم، ومناطق استضافتهم جزءاً من مسرح العمليات، فالعدو عادة ما يلجأ خلال عدوانه للضغط على النازحين وارتكاب المجازر، وعادة ما كانت هذه الخطوة تترافق مع المفاوضات النهائية لإنهاء أي عدوان، ولكنه هذه المرة أيضاً خلط المرحلة الثانية بالثالثة للضغط على البيئة من خلال المجازر أولا، واستهدافهم في مناطق نزوحهم ثانياً خصوصا في تلك التي قد يؤدي استهدافها الى إشعال الخلاف الأهلي.
ما يلفت في تطور المواجهات الأخيرة هو تسارع الانتقال بين هذه المراحل، وهو ما يعكس بحسب المصادر مؤشرين أساسيين، الأول هو محدودية الإنجاز في الضربة الافتتاحية، خصوصاً في ما يتعلق بالقيادات والبنية الصلبة، والثاني هو ضيق بنك الأهداف العسكرية مقارنة بتوقعات العدو.
المصدر:
النشرة