آخر الأخبار

بين المبادرات والضغوط من يحدد توقيت التفاوض في لبنان؟

شارك

تدور في الكواليس السياسية في بيروت خلال الأيام الماضية سلسلة أفكار ومقترحات يجري تداولها تحت عناوين مختلفة، بعضها أُلبس ثوب "المبادرات الدولية".

غير أن التدقيق في هذه الطروحات يكشف أن بعض ما يجري تداوله لا يصل ليكون خطة متكاملة بالمعنى السياسي أو الدبلوماسي، بل مجموعة أفكار غير مكتملة، يجري اختبارها بين العواصم المعنية لمعرفة حدود القبول أو الرفض.

من بين هذه الأفكار ما يوصف في بعض الأوساط بأنه طرح فرنسي، إلا أن الواقع أن باريس لم تقدم حتى الآن خطة واضحة المعالم، بل مجرد تصورات أولية حول ترتيبات أمنية وسياسية محتملة في الجنوب اللبناني.

ورغم أن هذه الأفكار لا تحمل حتى اللحظة صفة المبادرة الرسمية، فإنها أثارت جدلاً واسعاً في بيروت، خصوصاً أن بعض بنودها المطروحة يحمّل لبنان أثماناً سياسية وأمنية مرتفعة. مع ذلك، فإن إسرائيل نفسها لم تقدم حتى الآن جواباً نهائياً بشأنها، بل تكتفي بحسب مصادر سياسية متابعة بالإشارة إلى أنها لا تزال قيد الدرس.

في موازاة ذلك، برزت مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون التي وصلت بحسب المصادر إلى الأميركيين عبر قنوات مختلفة عن تلك التي اعتاد السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى أن يدير من خلالها التواصل السياسي. هذا المسار المختلف أثار امتعاض السفير الأميركي، لا لأن مضمون المبادرة بحد ذاته يشكل مشكلة لواشنطن، بل لأن تجاوز القنوات التقليدية في تمريرها يعني عملياً سحب جزء من أوراق التأثير التي يمتلكها.

بالمقابل، يواصل السفير الأميركي لقاءاته الدورية مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لا تزال تتعامل مع بري باعتباره أحد المفاتيح الأساسية في أي مسار تفاوضي يتعلق بلبنان. ترى المصادر عبر "النشرة" ان هذه اللقاءات تكتسب دلالة إضافية في ظل محاولات داخلية ظهرت في الفترة الأخيرة لدفع بري إلى هامش المشهد التفاوضي، أو على الأقل تقليص دوره في إدارة هذا الملف.

تشدد المصادر على أن ما أثار أكبر قدر من النقاش في الأوساط السياسية هو طبيعة المبادرة التي حملها الرئيس عون، فبحسب مصادر سياسية متابعة، جاءت بوتيرة مستعجلة إلى حد كبير، الأمر الذي فاجأ حتى الجانب الإسرائيلي، مشيرة الى ان المفاجأة هنا لا تعني رفضاً فورياً للمضمون، بل على العكس، دفعت إسرائيل إلى قراءة الطرح باعتباره مؤشراً على استعداد لبناني للذهاب إلى مسار تفاوضي مباشر والتنازل السريع فطلبت المزيد.

تعتبر المصادر أن هذا الانطباع تحديداً هو ما جعل تل أبيب تتريث في إعطاء جواب سريع. فعندما يأتي العرض من الطرف اللبناني أولاً، يصبح منطق التفاوض بالنسبة لإسرائيل مختلفاً، فلماذا الاستعجال في القبول إذا كان بالإمكان رفع سقف الشروط.

لذلك، بدأت الإشارات الإسرائيلية تتحدث عن ضرورة بدء مسار عملي وجدي لنزع السلاح كمدخل لأي تفاوض حقيقي، وهو شرط تعرف تل أبيب أنه يضع لبنان أمام معادلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.

في هذا السياق، تتحول المبادرة نفسها من محاولة لفتح باب سياسي إلى عنصر ضغط إضافي، فمجرد طرح فكرة التفاوض المباشر يمنح إسرائيل فرصة للمطالبة بالمزيد من التنازلات، انطلاقاً من قاعدة معروفة في علم التفاوض، وهي أن الطرف الذي يطلب الحوار أولاً يرسل إشارة ضمنية لحاجته إليه.

هذه القاعدة لا تعني بالضرورة أن من يبدأ التفاوض هو الطرف الأضعف دائماً، لكنها تعني أن ميزان التوقعات يتغير منذ اللحظة الأولى، عندما تطلب دولة فتح باب التفاوض، يصبح الطرف الآخر في موقع من يقرر متى وكيف يستجيب، وما هو الثمن الذي يمكن أن يطلبه مقابل الجلوس حول الطاولة.

ولهذا السبب تحديداً، تتعامل إسرائيل مع المبادرات المطروحة ببرودة واضحة، وفي المقابل، يقف لبنان أمام معادلة معقدة، فالحاجة إلى وقف التصعيد وإيجاد مخرج سياسي تدفع بعض القوى إلى البحث عن مبادرات سريعة، لكن هذه السرعة نفسها قد تتحول إلى عنصر ضعف إذا قرأها الطرف الآخر على أنها استعجال للتفاوض، فكيف اذا كانت مستعجلة وخلافيّة ايضا.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا