آخر الأخبار

من هو مايسترو المفاوضات الذي يعيد للبنان ما خسره في الجولات السابقة؟

شارك

في قلب المفاوضات المصريّة الشائكة مع اسرائيل برز إسم " أسامة الباز " كمايسترو دبلوماسي، يقرأ العقل ال إسرائيل ي كخريطة مفتوحة، يفكك الفقرات القانونية بجدية هادئة، ويثبّت الحقوق بصلابة وطنية لا تنثني. حوله، شكّل الوفد المصري جوقة تقنية مُحكَمة، مدعومة بنسيج وطني ذو الأغلبية السنيّة، يمنح قراراً مركزياً نظيفاً من تشتّت الطوائف، فحوّلوا التوتر إلى سلام استراتيجي مستدام.

وبموازاة ذلك، قاد الملك حسين الوفد الأردني في وادي عربة كآلة تفاوض وازنة، تجمع خبراء مياه وأمن وقانون تحت مظلّة هويّة وطنيّة واحدة، تضبط الحدود والمياه بتنازلات محسوبة، محطّمةً جدران الحرب بضربة دبلوماسية دامت عقوداً.

أمّا لبنان ، الذي يُعاني من تعدّد أحزابه وطوائفه وزعاماته المتنافرة والمتعاونة مع الخارج، حيث تتقدّم الأجندات الخارجية على الداخلية، تُمزّق أحياناً الوفد قبل أن يواجه الخصم. يحتاج لبنانَ اليوم وفداً جراحيّاً يُرضي الجميع دون ازدواج ولاءات، لكن هل ينجح أمام إسرائيل؟ نجاحه مشروط بعملية توافق وطنيّ يعلو على التشرذّم، وإلاّ ستبقى كفّته ضعيفة أمام شراسة وطمع الخصم.

منذ بريق مؤتمر مدريد للسلام، حيث قاد السفير المخضرم " سهيل شماس "، المُلَقَّب بـ"المفاوض السكّري الشرس"، الوفد اللبناني ببراعة نادرة، ولقب "السكّري" أُعطيَ له بسبب تحجّجه بتوقيت ضرب الإبرة. فعندما كان المفاوض الإسرائيلي يطرح فكرةً معيّنة، يغيب "شماس" بحجة مرضه لدقائق كي يدرس الرد الدّبلوماسي القَوي. لم يشْهد لبنان مذّاك وفدًا بهذا المستوى مجهزًا بكفَاءات متخصصة في مفَاوضات دوليّة حاسمة.

تفاهم نيسان 1996 بعد عدوان " عناقيد الغضب "، كان محطة دبلوماسية مهمّة للبنان، لكنه حمل أيضاً ثغرات وإخفاقات بنيوية تشبه إلى حدّ بعيد ما تكرّر لاحقاً في مسار ال قرار 1701 ، مع فروق في السياق والحجم لا في العقلية الأساسية.

فشل يومها الوفد اللبناني في ربط حماية المدنيين بمسار واضح لإنهاء الاحتلال، مما قلّص الإنجاز الدبلوماسي إلى الحدّ الأدنى. كما منح غموض النص إسرائيل هامشاً واسعاً لقصف مواقع حدودية قريبة من المدنيين تحت غطاء "الدفاع عن النفس"، فيما اكتفى لبنان بشكاوى رمزية دون آليات ردع فعّالة.

في ترسيم الحدود البحرية مع قبرص عام 2017، حضر وفد الفاقد للخبرة في الصكوك الدولية ضعيفاً، مما أفضى إلى تنازلات غير مبرّرة بلغت آلاف الكيلومترات المربعة، واستمر النهج الشكلي بلجنة رمزية التقَت بالقبارصة مرة واحدة فحسب.

أما مع إسرائيل في 2022، تمايلَت المفاوضات بين الخط 29 الموسع والخط 23 المقبول، مع تبسيط دور الخبراء، ومن دون وفد متماسك، فخسر لبنان جولات وخطوط غاز غنية، وقبِل بالحقول غير المضمونة.

وبينما تشتد شروط إسرائيل في النقاط الجنوبية والأسرى والحدود البحرية والغاز، يفتقد الوفد اللبناني حتى اليوم لمسة دبلوماسية ذات تاريخ وخبرة في الصراعات الدولية.

تخيّلوا وفداً يواجه إسرائيل بمعايير حديديّة: دبلوماسيون لبنانيون خبراء من أوساط الأمم المتحدة، خبير قانون بحار وقرار 1701، خبراء خرائط دقيقة، رباطة جأش وإنكليزية سليمة. أضيفوا فريقاً تقنياً قوياً: قانونيو معاهدات، خبراء إحداثيات، أمنيون ميدانيون، استراتيجيون. السفير السابق سيمون كرم خطوة جيدة، لكن بدون هذا الدمج، قد تتحول المفاوضات إلى تنازلات. فالكفاءة التقنية سر السيادة... والفرصة لا تنتظر.

المفاوضات الدولية الكبرى لا تُحسم بالشعارات، بل بالعقول المتخصصة والدهاء السياسي والقدرة على إدارة التفاصيل الدقيقة،

الوفد المنشود على مستوى اللحظة. سيادة كاملة، وإلا تبقى وعدًا معلقاً. وفي تطور دبلوماسي يحمل فرصة ذهبية، أُجِّلت المواجهة المرتقبة بين لبنان وإسرائيل في قبرص موقتًا بعد رفض تل أبيب لوقف إطلاق النار كشرط مسبق. هذا التأجيل ليس هزيمة، بل ربما نافذة للتحضير التقني الشامل.

في قلب التحدّي اللبناني أمام إسرائيل، تلوح حاجة ماسّة الى "أسامة باز لبناني"، دبلوماسي يمزج الشطارة القانونية الحادّة برؤية وطنيّة صلبة، يعلو فوق ازدواج الولاءات الطائفية والإقليمية، ويوحّد الوفد كآلة تفاوض حديديّة مترابطة، تريح جميع اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم، وتحفظ للبنان كامل الـ10.452 كلم مربع، وبدون هذا الدمج، تبقى المواجهة معلّقة بين الثغرات والتنازلات.

سمر نادر -الأمم المتحدة

نيويورك

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا