من الواضح أنّ الأمور في لبنان تتدحرج بوتيرة سريعة نحو مزيد من الجولات القتالية العنيفة والشرسة، مع ما ستُخلّفه من ضحايا ودمار، حيث من الملاحظ أنّ الضربات ال إسرائيل يّة آخذة بالتوسّع، وأنّ " حزب الله " يُراهن مُجدّدًا علىحسابات يتبيّن يوميًا أنّها خاطئة! فأين ستقودنا هذه المرحلة الدقيقة في تاريخ لبنان الحديث، وكيف يُمكن أن ترسو الأمور في نهاية المطاف؟
كما كان مُتوقّعًا بدأت إسرائيل المرحلة الثانية غير المُعلنة من حربها على لبنان، من خلال توسيع دائرة الاستهدافات لتشمل مناطق كانت تبقى عادة في منأى عن الهجمات خلال الحروب السابقة، وتعمّد إيقاع أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وعدم التردّد بضرب البنى التحتيّة المدنية، وذلك بغرض رفع مستوى ضغطها على الدولة اللبنانية وعلى الشعب اللبناني. وبالتالي، المرحلة المُقبلة صعبة جدًا، حيث أنّ الهجمات الإسرائيلية لن تنحصر بجبهات الجنوب، ولا بالجبال والوديان التي تتهم تل أبيب "حزب الله" بإقامة مواقع عسكريّة فيها، ولا حتى بمباني الضاحية الجنوبية ، بل ستشمل تصاعديًا مناطق وبلدات وقرى كانت حتى الأمس القريب بمنأى عن التداعيات السلبية للمواجهة العسكرية القائمة. والقصّة لم تعد محصورة بمخازن ذخيرة، أو بمنصّات إطلاق صواريخ، أو بمراكز قيادة وتحكّم، بل صارت تطال أهدافًا مدنيّة بامتياز، بحجّة أو من دون حجّة!
وعلى الرغم من خطورة هذا الواقع المُتفاقم الذي سيؤثّر سلبًا جدًا على اللبنانيّين جميعهم، وسيضع حياة كل من واحد منهم على المحك، فإنّ المُشكلةالأكبر تكمن في أنّ لا الدولة قادرة على التحرّك لوقف هذا المنحى التصاعدي الخطير في العمليات الإسرائيلية، ولا هي قادرة على سحب الذرائع الإسرائيلية عبر العمل على السيطرة على سلاح "حزب الله" بالقوّة في ظلّ رفض هذا الأخير المُطلق لقرارات الحكومة اللبنانية التي تدعوه إلى تسليم سلاحه.والشعب اللبناني بكامل أطيافه هو الذي يدفع وسيدفع الثمن الغالي نتيجة هذا الواقع، من أرواحه وأملاكه!
بالانتقال إلى "حزب الله" الذي ظنّ بداية أنّ انشغال الجيش الإسرائيلي بالحرب على إيران سيجعل الردّ عليه محدودًا، فهو أخطأ الحسابات مرّة جديدة! وهو الذي يُراهن على أنّ نهاية المعركة الحالية ستتمّ بتوقيع اتفاق جديد لوقف النار، يمنع إسرائيل من الاعتداء عليه في المستقبل، سيجد أنّ التشدّد الإسرائيلي سيكون أعلى ممّا كان عليه عشيّة توقيع اتفاق "وقف الأعمال العدائية" في 27 تشرين الثاني 2024 ، بحسب ما تؤكّد كل التحاليل الإسرائيلية والأميركيّة والغربيّة! فالحزب الذي يعتقد أنّ الثمن الباهظ الذي يدفعه لبنان حاليًا هو لاسترداد المواقع المُحتلّة، والإفراج عن الأسرى، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية بشكل نهائي، سيجد نفسه في الموقع عينه الذي واجهته حركة "حماس" عندما راهنت في بداية حربها الأخيرة في السابع من تشرين الأوّل من العام 2023، على أنّ الإسرائيلي غير قادر على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد، لتجد نفسها في معارك مفتوحة على مدار سنتين، دمّرت كل غزّة عن بكرة أبيها، وأوقعت أكثر من اثنين وسبعين ألف قتيل فلسطيني، وأكثر من مئة وواحد وسبعين ألف جريح.
وكل المؤشرات الحالية تدلّ على أنّ الحرب على لبنان لن تتوقف بتوقّف الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، بل ستشتدّ وتيرتها عندها، حيث ستتتفرّغ إسرائيل كليًا للجبهة اللبنانية! وكل المؤشّرات الحالية تدلّ على أنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان ستبقى قائمة هذه المرّة إلى حين إيجاد حلّ جدّي وملموس لسلاح "الحزب"، بغضّ النظر عن الثمن الذي ستدفعه تل ابيب من إصابات ودمار وخسائر اقتصادية. وكل السيناريوهات المرسومة للبنان خطيرة وقاتمة: فإمّا قيام السُلطة اللبنانية بالتحرّك فعليًا ضُدّ "الحزب"، وإمّا حرب إسرائيل عليه ستتعاظم. والأكيد أنّ الجيش اللبناني غير قادر على التحرّك بالقوّة ضُدّ سلاح "الحزب" لاعتبار أخلاقي قبل أيّ شيء آخر، في ظلّ الهجمة الإسرائيلية المتوحّشة على لبنان، وكذلك للكثير من الاعتبارات السياسية والعسكرية والميدانية الأخرى، تشمل حساسيّة تركيبة المؤسّسة العسكرية، وغياب التوافق السياسي الشامل، وخطورة الاحتقان الديني والمذهبي، وحتى صُعوبة التطبيق على أرض الواقع من دون انفجار الوضع الأمني الداخلي في لبنان!
وأمام هذا الواقع لا يبقى سوى خيار تفلّت إسرائيل من كل رادع بحجّة تعرّضها لهجمات مُتكرّرة من لبنان، تحت عناوين مختلفة، من إسناد حركة "حماس" في حربها في غزّة إلى الانتقام ردًّا على ضرب إيران واغتيال مرشدها الإمام علي خامنئي ، مُرورًا بالردّ على عدم إلتزام إسرائيل ببنود وقف الأعمال القتالية ومواصلة ضرباتها ضُدّ "الحزب" على مدى 15 شهرًا متواصلًا. وهذا الخيار يعني ميدانيًا تعرّض لبنان لدمار واسع، سيطال البنى التحتيّة والمصالح الاقتصادية، وتعرّض الشعب اللبناني لعمليات قتل ممنهجة ستشمل كل يوم منطقة جديدة إضافية، بغية نشر الموت وبثّ الرعب والدمار في كل أنحاء البلدمن دون أي استثناء، في مقابل تدمير بضعة دبّابات إسرائيلية هنا، وقتل وجرح عدد من العسكريّين الإسرائيليّين هناك، وتدمير سقوف وجدران مجموعة من المنازل في إحدى المُستعمرات هنالك!
في الخلاصة، وللمرّة الألف، "حزب الله" قادر على إلحاق بعض الخسائر بالإسرائيليين، أكانوا عسكريّين أم مدنيّين، لكنّها لا تُقاس بحجم الخسائر الهائل والمرعب الذي يطال اللبنانيّين. و توازن الرعب غير قائم، ومُعادلة الردع غير موجودة، والتنَاسب في القدرات العسكرية مَعدوم! والتأكّد من هذا الواقع لا يحتاج لكثير من الجُهد، حيث يكفي إجراء مُقارنة بسيطة بحجم القتلى والجرحى والخسائر المادية لدى كل من الفريقين المَعنيّين بالمواجهة، ليتبيّن بشكل ساطع أنّ لبنان هو الخاسر الأكبر وبفارق ساحق! وبالتالي من غير المقبول الإصرار على توريط لبنان مرّة جديدة في أزمة كبرى لن تتوقّف قريبًا، نتيجة رهانات مغلوطة وأخطاء في الحسابات، إلا إذا كان المنطق العسكري الإستراتيجي غائب، والتحليل الرصين والموزون مُغَيَّب، لصالح تقديم خيار الولاء المُطلق لإيران، ولصالح تقديم خيار تنفيذ أوامر قيادة "ولاية الفقيه" من دون أي اعتراض!
المصدر:
النشرة