في زمنٍ يندفع فيه الفن المعاصر نحو السرعة والواقعية المفرطة، يبقى فنّ الأيقونة مساحة مختلفة من التعبير، حيث يتحوّل الرسم إلى فعلٍ تأملي وروحي يتجاوز حدود الجمال البصري. ففي هذا الفن العريق، لا تُرسم الصورة بقدر ما "تُكتب" وفق تقاليد لاهوتية ورمزية متجذّرة في التراث المسيحي الشرقي. وفي هذا السياق، يبرز الفنان اللبناني جيروم فرح كأحد الوجوه الشابة التي اختارت أن تسلك هذا الطريق الفني والروحي، جامعاً بين المعرفة الأكاديمية والشغف الإيماني.
يحمل فرح شهادة في الهندسة المعمارية، وقد بدأ مسيرته الفنية في مجال اللوحات الزيتية، إلا أن مسار حياته أخذ منحى مختلفاً عندما شعر بما يصفه بـ"الدعوة" الداخلية للتوجه نحو الفن الديني. هذا التحوّل دفعه إلى دراسة فن "كتابة الأيقونات" البيزنطية والتعمّق في قواعده التقنية واللاهوتية، ليبدأ رحلة فنية امتدت لسنوات وأثمرت أعمالاً تزيّن عدداً من الكنائس في
لبنان ، على حد ما يقول ل"لبنان ٢٤".
وخلال نحو تسع
سنوات من العمل في هذا المجال، أنجز فرح جداريات وأيقونات وضعت في عدد من الكنائس، من بينها مطرانية
بيروت للروم الملكيين الكاثوليك، إضافة إلى كنائس في أنطلياس وشكا والحازمية. ويؤكد أن علاقته بالكنيسة تعود إلى طفولته، حيث نشأ في أجواء الخدمة الكنسية، بحكم ان والده هو كاهن، الأمر الذي أسّس لارتباط روحي عميق انعكس لاحقاً في مسيرته الفنية.
ويشرح فرح أن الأيقونة ليست لوحة فنية تقليدية، بل نصّ لاهوتي يُعبّر عنه بالألوان والخطوط. فلكل تفصيل فيها دلالة رمزية مقصودة؛ إذ إن الملامح لا تُرسم وفق الواقعية البشرية، بل وفق معانٍ روحية. فالأنف
الطويل يرمز إلى الصبر، والعين الواسعة إلى السهر الروحي، فيما يشير الفم الصغير إلى الصوم والصلاة. كذلك تحمل الألوان معاني لاهوتية واضحة، حيث يرمز الأحمر إلى اللاهوت، والأزرق إلى الناسوت، بينما يرمز الأبيض إلى
القيامة والنور الإلهي.
ولا يقتصر
التزام فرح بالتقاليد على الرمزية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى المواد المستخدمة في صناعة الأيقونة. فهو يعتمد تقنيات تقليدية تعود إلى قرون، مستخدماً أصباغاً طبيعية مستخرجة من التراب والنباتات، إضافة إلى صفار البيض والخشب والكتان. كما يرفض ما يُعرف بـ"التعتيق المصطنع" للأيقونات، معتبراً أن الزمن وحده هو الذي يمنح الأيقونة أثره الطبيعي ويترك عليها بصمته.
ويصف الفنان لحظات العمل على الأيقونة بأنها أقرب إلى حالة روحية خاصة، حيث يتحوّل المرسم إلى مساحة صلاة وتأمل، غالباً ما ترافقها التراتيل والقراءات الروحية. وبحسب تعبيره، فإن كتابة الأيقونة ليست مجرد عملية فنية، بل فعل صلاة، قائلاً إن "من كتب أيقونة كأنه صلّى مرتين".
وإلى جانب عمله الفني، يسعى فرح إلى نقل هذا التراث إلى الأجيال الجديدة. ففي تعاون مع
بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك في الربوة، يشارك في تعليم هذا الفن البيزنطي ضمن معهد متخصص، في محاولة للحفاظ على هذا الإرث الفني والروحي واستمراريته.
بهذه المقاربة التي تمزج بين الفن والإيمان، يواصل جيروم فرح مسيرته، واضعاً ريشته في خدمة تراثٍ عريق يرى فيه رسالة تتجاوز حدود اللوحة، لتصبح جسراً بين الجمال والتأمل الروحي.