تُطرح الحرب على لبنان في النقاش العام كما لو أنّها معركة منفصلة يمكن تحديد موعد انتهائها بقرار سياسي أو بإعلان عن وفد تفاوضي، لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير، فما يجري في لبنان ليس حرباً معزولة، بل جزء من مشهد إقليمي واسع، تتقاطع فيه ساحات متعددة وتتشابك فيه الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الكبرى. لذلك فإن الإجابة عن السؤال حول "موعد انتهاء الحرب" يبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى محاولة توقع منها الى محاولة تحليل.
دخل الحزب هذه الحرب لأنّها، في جوهرها، امتداد لاشتباك إقليمي أوسع، فالجبهات ليست منفصلة بالكامل، وما يجري على الحدود اللبنانية يتأثر بما يحدث في الإقليم، كما يؤثر بدوره في الحسابات الأوسع المرتبطة بالمنطقة، وهذه الفرصة هي الوحيدة التي كان يمكن بها محاولة تغيير المعادلات التي حاولت اسرائيل فرضها على لبنان.
ولهذا فإن مسار الحرب لا تحكمه معادلة لبنانية داخلية فقط، بل شبكة واسعة من المتغيرات تبدأ من الميدان، ميزان الردع، حسابات إسرائيل ، أولويات الولايات المتحدة ، ومصالح القوى الدولية.
حتى المؤسسات المالية الدولية التي حاولت مقاربة المشهد بمنطق السيناريوهات لم تتمكن من تقديم تقدير حاسم لمسار الحرب. في هذا السياق، تكشف مصادر متابعة عبر "النشرة" أن احدى المؤسسات المالية العالمية الكيرى وضعت سيناريو متفائلاً يتحدث عن إمكانية انتهاء الحرب خلال شهر آذار، فيما ذهبت بالسيناريو الاسوأ إلى احتمال استمرارها لثلاثة أشهر إضافية على الأقل.
تشير المصادر الى أن هذه التقديرات بحد ذاتها تعكس حجم الضبابية. فهي لا تعني أنّ الحرب ستطول حتماً أو أنّ نهايتها قريبة بالضرورة، بل تعكس حقيقة واحدة وهي ان المدة مرتبطة مباشرة بالتطورات الميدانية وبالتحولات السياسية التي قد تطرأ فجأة.
أمّا فيما يتعلق بلبنان، في الأيام الماضية بدأت وتيرة العمليات العسكرية ترتفع مجدداً على أكثر من جبهة، وهو تطور لافت يقرأه البعض على أنه مقدمة للتفاوض، هكذا جرت العادة، ولكن ليس بالضرورة هذه المرة، اذ تكشف المصادر أن الحكومة الإسرائيلية المصغرة تدرس خيارات تتعلق بالجبهة اللبنانية التي اصبحت جبهة رئيسية بعد صدمة اسرائيل من عمل حزب الله .
في الحروب التقليدية غالباً ما يُفسَّر التصعيد العسكري على أنه مؤشر إلى تقدم التفاوض، إذ تلجأ الأطراف إلى رفع سقف الضغط الميداني لتحسين شروطها على الطاولة، غير أن المشهد الحالي لا يخضع بالكامل لهذه القاعدة، فالتصعيد الجاري لا يبدو مرتبطاً فقط بدينامية التفاوض، بل أيضاً بمحاولة كل طرف تجميع أوراق قوة إضافية قبل أي مرحلة سياسية محتملة.
في الحالة الإسرائيلية تحديداً، هناك عامل آخر يضغط على مسار القرار العسكري. في تل أبيب قلق واضح من احتمال أن تتخذ واشنطن، في لحظة ما، قراراً بتقليص انخراطها المباشر في الحرب أو فك ارتباطها بها بشكل أوسع. هذا الاحتمال، يشكل هاجساً حقيقياً لدى القيادة الإسرائيلية، التي تسعى إلى تثبيت أكبر قدر ممكن من الوقائع الميدانية قبل أي تحول في الموقف الأميركي. من هنا يمكن فهم جزء من التصعيد الجاري باعتباره محاولة استباقية لفرض معادلات جديدة على الأرض.
في المقابل، يتحرك الداخل اللبناني على خط مختلف، لكنه لا يقل تعقيداً. خلال الساعات الماضية تكثفت الاتصالات السياسية في بيروت في محاولة للوصول إلى موقف رسمي لبناني موحد يتعلق بمقاربة أي مسار تفاوضي محتمل.
بحسب المصادر لم تنجح المحاولات بعد بالكامل، ويبدو أن التوجه سيكون لتشكيل وفد للتفاوض السياسي مع إسرائيل التي لا تزال تفرض الشروط للقبول بمسار كهذا.
التحركات الدبلوماسية باتجاه لبنان مستمرة، إلى جانب تحرك فرنسا مجدداً على خط الوساطة، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع لبنان ومن حضورها التقليدي في الملف اللبناني.
لكن المشكلة الأساس لا تكمن في شكل الوساطة بقدر ما تكمن في مضمون الشروط المطروحة. فالمقترحات التي يجري تداولها في الكواليس الدولية تشبه إلى حد كبير تلك التي حاولت إسرائيل فرضها خلال الأشهر الماضية، والتي تقوم عملياً على فرض معادلة قريبة من الاستسلام الكامل. هذه الشروط تتجاوز بكثير فكرة وقف إطلاق النار أو ترتيب الوضع الأمني على الحدود، لتصل إلى محاولة إعادة صياغة التوازنات القائمة في لبنان.
لهذا السبب تحديداً يبقى الميدان هو العامل الحاسم في رسم المرحلة المقبلة. فنتائج المواجهة على الأرض ستحدد سقف السياسة، كما ستحدد طبيعة أي تفاوض وشروطه.
المصدر:
النشرة