آخر الأخبار

الفداء الإلهيُّ الخلاصيُّ

شارك

«ينبغي أن أذهب إلى أورشليم وأتألَّم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأُقتَل، وفي اليوم الثالث أقوم». هذا ما قاله يسوع لتلاميذه (متَّى 16: 21).

ترسم لنا الآية طريق خلاصنا، وهو طريق شقَّه الربُّ بنفسه، وعبَّده بجسده الطاهر، وسقاه بدمه الكريم، وقال لنا: «اتبعوني». هكذا يكون القائد الحقيقيُّ الَّذي لا يطلب شيئًا من الآخرين لا يفعله هو.

لنتوقَّف أوَّلًا عند ما أعلنه يسوع. الربُّ لم يفصل آلامه عن قيامته، وبهذا يكون رسم لنا أيقونة خلاصيَّة. إعلان يسوع صدم تلاميذه، كأنَّهم بذلك توقَّفوا عند الموت ولم يعبروا معه. ليس في الأمر شيء غريب، فهذا الأمر لا يمكن إدراكه إلَّا ب الروح القدس ، وفي ذلك الوقت لم يكن الروح القدس قد نزل على التلاميذ بعد. وهنا نفهم لماذا يتعذَّر تقبُّل صلب المسيح وقيامته على كلِّ مَن لم ينل الروح القدس وفعله فيه.

أمام إعلان يسوع وقف بطرس معترضًا قائلًا: «حاشاكَ يا ربُّ! لا يكونُ لك هذا!» (متَّى 16:22). وهنا يوجد شيء مهمٌّ وجوهريٌّ. اعتراض بطرس مرتبط بالشرف والتقدير والكرامة والمقام. فالإنجيل يخبرنا في الآية نفسها أنَّ بطرس بدأ ينتهر يسوع، وإذا بحثنا في جذر الفعل باللغة اليونانيَّة والمترجم «انتهر» هو «epitiman - ἐπιτιμᾶν». هو مركَّب من epi وتعني هنا «ضدّ» و«أضيف شيئًا يعاكس»، وكلمة timi تعني الشرف. فالعبارة المركَّبة – الفعل المركَّب – تعني تصحيح وضع ما، ونزع ما أضيف إلى الشرف – الكرامة ولا يليق بهما.

مصدر الصورة انتهار بطرس ليسوع أتى من حماسه وعاطفته تجاه الربِّ ومحبَّته له، هذا من جهة، ومن جهَة ثانية اعتبر بطرس بمنطقه البشريِّ أنَّه لا يليق بالربِّ أن يُضرَب ويُهان ويُصلَب فأراد غاضبًا تصحيح الوضع كأن يسوع لا يعرف ماذا يفعل ويقول! وهذا حال كثير من الناس. ولكنَّ المنطق الإلهيَّ هو مغاير تمامًا للمنطق البشريِّ ، كما أن الاندفاع والعاطفة والمحبَّة دون وعي ونمُوٍّ وتمييز بالنعمة الإلهيَّة يهدم ولا يبني. الربُّ يطلب محبَّة أكبر بكثير من مفهومنا للمحبَّة، وهذا الأمر لا يمكن إدراكه خارج فداء المسيح على الصليب.

ففداء الربِّ لا يشبه أيَّ فداء آخر في الكون كلِّه. هو فداء إلهيٌّ لا بشريٌّ. هو فداء لم يقتل أحدًا بل أحيا الجميع. هو فداء يتخطَّى المنطق البشريَّ ولا يُفهَم إلَّا بالمحبَّة النازلة علينا من فوق. هو فداء طوعيٌّ يرفع الإنسان إلى موطنه الأوَّل ويجعله يفهم بالعمق والحقِّ ما معنى أن يكون الإنسان إنسانًا خلقه الله على صورته ودعاه إلى التألُّه.

هو فداء يشقُّ السموات ويجعلها قريبة جدًّا منَّا وبمتناول أيدينا. هو فداء يعرِّي الإنسان المائت ليلبسه المسيح القائم. هو فداء المعموديَّة الجديدة الَّتي تجعل الإنسان يدحرج حجر الخطيئة عن باب قلبه ليبزغ نور المسيح.

هذا كلُّه كلام جميل، ولكن كيف السبيل إلى لمسه لنعيشه ونشفى كما لمست المرأة النازفة هدب ثوب يسوع ووقف نزيفها في الحال؟

الجواب هو ألَّا نقف في وجه خلاص الربِّ لنا كي لا يقول لنا يسوع كما قال لبطرس: «اذهب عنِّي يا شيطان! أنت معثرة لي، لأنَّك لا تهتمُّ بما للَّه لكنْ بما هو للناس» (متَّى 16: 23).

صحيح أنَّ جواب يسوع أتى قاسيًا جدًّا لكنَّه ليس موجَّهًا في العمق إلى شخص بطرس بل إلى طريقة تفكيره الَّتي هي طريقة تفكيرنا أيضًا في كثير من الأحيان. فكلمة شيطان تعني أن نقف في وجه عمل الربِّ وخلاصه.

مصدر الصورة الإنسان بطبيعته يرفض الألم ويحبُّ أن يكون بطله غالبًا وليس مغلوبًا، وظافرًا وليس مهزومًا. ولكن في المنطق الإلهيِّ الأمور عكسيَّة تمامًا، فما نعتبره نحن انهزامًا هو عند الله انتصار، والعكس صحيح. لهذا تابع الربُّ كلامه قائلًا: «فإنَّ مَن أراد أن يخلِّص نفسه يُهلكها، ومَن يُهلك نفسه من أجلي يجدُها» (متَّى 16 :25). وذلك أنَّ الكبرياء لا يموت إلَّا على الصليب، ليخرج منه إنسانًا وديعًا ومُحبًّا.

وهذا معنى آية الربِّ الشهيرة في الإصحاح نفسه: «إنْ أراد أحد أن يأتي ورائي فليُنكرْ نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (متَّى 16: 24). فإنكار النفس هو عدم جعل أنفسنا مركز الحياة بل الرب، وحمل الصليب هو الجهاد الدؤوب في تنقية النفس.

الربُّ يريد ألَّا نخسر أنفسنا بأشياء ترابيَّة فانية، لأنَّه هو شرفنا وقيمتنا ومجدنا.

لا يكفي أن نعترف مثل بطرس بأنَّ يسوع هو «المسيح ابن الله الحيِّ» (متَّى 16: 16)، بل يجب أن نبكي مثله بكاء التوبة لنسمع من يسوع قوله: «ارعَ خرافي» (يوحنَّا 21: 15).

في الخلاصة، ما أجمل أن نعيش ملء الآية: «الحقَّ الحقَّ أقول لكم: إن لم تقع حبَّة الحنطة في الأرض وتمُت فهي تبقى وحدها. ولكنْ إن ماتت تأتِ بثمر كثير» (يوحنَّا 12: 24).

إلى الربِّ نطلب.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا