آخر الأخبار

ما هو أبعد من حرب تقليدية

شارك
ما ارتكبته إسرائيل من مجازر، وما خلفته آلتها الحربية من دمار، في عشرة أيام، فاق بخطورته وحجمه ما ارتكبته في حروبها السابقة كلها. وهي مصرّة على إنزال أكبر قدر من البشرية والأضرار المادية بالبلدات والقرى المستهدفة بغارات مدّمرة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وتسعى، كما بدا واضحًا وجليًا، إلى الوصول إلى أبعد من الاكتفاء بـ "حرب تقليدية" بمعناها الضيق. وإذا كانت الحرب الأخيرة بين إسرائيل و" حزب الله " قد انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار، لم يكن متكافئ الفرص والنتائج، وأبقت تل أبيب في يدها خمس تلال استراتيجية، فإنها لن تكتفي هذه المرّة، بحسب بعض المراقبين، بهذا القدر من التلال، بل ستذهب إلى أبعد من ذلك بكثير.
ووفق ما يتمّ تداوله من معلومات مستقاة من مراجع ديبلوماسية فإن تل أبيب لا تزال ترفض الدخول في أي مفاوضات لوضع حدّ للحرب، وتؤكد أن أي مسعىً دولي لن يُكتب له النجاح إذا لم يأخذ في الاعتبار ضمان أمن إسرائيل المهدّد من قِبل "حزب الله". وهذا الأمر لن يتحقّق، في نظر القيادة الإسرائيلية ، إلاّ إذا جُرّدت "المقاومة" من سلاحها، وتم حصر حمل السلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية وحدها دون سواها، وهذا ما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار، الذي حدّد الجهات الشرعية، التي يحقّ لها وحدها أن تمتلك السلاح.
وهذا الموقف تبلغته واشنطن وباريس، اللتين أبلغتا الجانب اللبناني به، والذي على أساسه كان لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مبادرة من أربع نقاط قد تكون مادة لنقاش سياسي داخلي وخارجي على وقع الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بوتيرة متصاعدة. وهذا الأمر من شأنه أن يثير الشكوك بالنسبة إلى النوايا الإسرائيلية، خصوصًا أن ثمة معلومات لم تتأكد بعد بأن الحرب على لبنان غير مرتبطة من حيث التوقيت بالحرب الدائرة في إيران ، وأن تل أبيب ستواصل حربها الشمالية حتى وإن توقّفت الحرب الإيرانية – الأميركية – الإسرائيلية.
غير أن ما يقلق أكثر من حجم الدمار الذي خلّفته الغارات الإسرائيلية حتى الآن هو ما يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة من تطورات ميدانية وسياسية. فإسرائيل، وفق ما تقوله مصادر ديبلوماسية مطّلعة، لا تتعامل مع هذه الحرب باعتبارها جولة عسكرية عابرة، بل كفرصة لإعادة رسم الخارطة السياسية والجغرافية على الجبهة اللبنانية في صورة جذرية، بما يضمن لها، من وجهة نظرها، إبعاد الخطر الذي تمثله قدرات "حزب الله" الصاروخية عن حدودها الشمالية لمسافة أبعد بكثير مما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار السابق.
وفي هذا السياق، يتحدّث بعض التقديرات العسكرية عن أن تل أبيب تسعى إلى فرض واقع أمني جديد يتجاوز مسألة التلال الخمس التي احتفظت بها بعد الحرب الأخيرة، ليصل إلى إنشاء منطقة عازلة واسعة فعليًا أو بحكم الأمر الواقع، سواء عبر استمرار الضغط العسكري المباشر أو من خلال ترتيبات أمنية دولية قد تُطرح لاحقًا تحت عنوان حماية الاستقرار على الحدود. وهذا السيناريو، إذا ما صحّ، يعني عمليًا أن لبنان قد يجد نفسه أمام مرحلة طويلة من الضغوط العسكرية والسياسية المتواصلة.
أما على المستوى الدولي، فإن الحراك الديبلوماسي الذي تقوده كل من واشنطن وباريس لا يزال يدور في حلقة مفرغة بين مطلب إسرائيلي جازم يقضي بتجريد "حزب الله" من سلاحه جنوب الليطاني على الأقل، وبين واقع لبناني داخلي شديد التعقيد، حيث لا يبدو أن الظروف السياسية الداخلية تسمح بطرح مسألة من هذا الحجم دفعة واحدة ومن دون توافقات داخلية عميقة. وهذا ما يجعل المبادرة التي طرحها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أقرب إلى محاولة فتح باب النقاش حول مخارج ممكنة للأزمة، أكثر مما هي حلّ جاهز يمكن تطبيقه سريعًا في ظل توازنات الداخل وتشابكات الخارج.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب بهذا الإيقاع التصاعدي يضع لبنان أمام تحديات غير مسبوقة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. فالبلد الذي لم يتعافَ أصلًا من أزماته المالية الخانقة يجد نفسه اليوم أمام موجة دمار جديدة ونزوح داخلي متزايد، الأمر الذي يهدد بتفاقم الأعباء على دولة تعاني أصلًا من ضعف شديد في مؤسساتها وقدراتها المالية.
من هنا، فإن الخشية الكبرى لدى كثير من المراقبين لا تقتصر على اتساع رقعة العمليات العسكرية، بل تمتد إلى احتمال أن تتحوّل هذه الحرب إلى محطة مفصلية في إعادة صياغة المشهد اللبناني برمّته، سياسيًا وأمنيًا. فالتجارب السابقة أثبتت أن الحروب في لبنان لا تنتهي فقط بوقف إطلاق النار، بل غالبًا ما تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تُفرض تحت ضغط الميدان وموازين القوى.
فلبنان يقف مرة جديدة عند مفترق بالغ الخطورة، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية والدولية مع هشاشة الواقع الداخلي. وبين دمار يتوسع يومًا بعد يوم وضغوط سياسية تتزايد على أكثر من مستوى، يبقى السؤال الذي يقلق الجميع: هل أن هذه الحرب هي مجرد عملية عسكرية محدودة الأهداف، أم أنها تمهيد لمرحلة جديدة تُرسم فيها ملامح لبنان الأمني والسياسي تحت وقع النار؟
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا