آخر الأخبار

التطورات تفرض خطابا واقعيا في لبنان

شارك
شهدت الساحة السياسية في الأيام الأخيرة سجالًا حادًا على خلفية الهجوم الذي تعرّض له قائد الجيش العماد رودولف هيكل من قبل بعض الشخصيات القريبة من رئيس الحكومة نواف سلام. غير أن هذا التصعيد لم يسر كما أراده مطلقوه، إذ اصطدم سريعًا بموقف واضح من كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ، اللذين فضّلا إبقاء المؤسسة العسكرية خارج دائرة الاشتباك السياسي.

هذا الموقف أعاد رسم حدود النقاش الداخلي، ووجّه رسالة بأن أي محاولة لزج الجيش في مواجهة سياسية داخلية لن تجد غطاءً على مستوى الرئاسات.
في الواقع، يأتي هذا السجال في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث بدأت ملامح المشهد تتبدل بعد الزخم الكبير الذي رافق اندلاع الحرب على إيران . في الايام الأولى، بدا أن الخطاب السائد في بعض الأوساط الإقليمية والدولية يتحدث بوضوح عن هدف إسقاط النظام في طهران . غير أن مسار الأحداث أظهر تدريجيًا أن هذا الهدف بات خارج التداول، لا سيما بعدما تمكن النظام الإيراني من إعادة تثبيت جزء من شرعيته الداخلية، مستفيدًا من تعبئة شعبية فرضتها طبيعة المواجهة الخارجية.


وبالتالي، يبدو أن الاستراتيجية الفعلية التي يجري العمل عليها اليوم مختلفة عما كان يُطرح في البداية. فبدل السعي إلى إسقاط النظام، أصبح الهدف الأرجح هو إنهاكه عسكريًا واستنزاف قدراته، وإشغاله بجبهته الداخلية لفترة طويلة، بما يؤدي عمليًا إلى تقليص قدرته على دعم حلفائه الإقليميين أو التنسيق معهم بالوتيرة السابقة.

هذا التحول في المقاربة ينعكس بشكل مباشر على الساحة اللبنانية . فمع تراجع فكرة الحسم الإقليمي السريع، يصبح الحديث عن معركة صفرية في لبنان أمرًا غير واقعي إلى حد كبير. أي مواجهة من هذا النوع لن تحقق نتائج حاسمة، لكنها ستفرض في المقابل أثمانًا باهظة على مختلف الأطراف. لذلك، من المتوقع أن يتراجع تدريجيًا الخطاب السياسي الذي يحاول دفع الجيش إلى قلب مواجهة داخلية، أو استخدامه كأداة في صراع سياسي محلي.

كما تشير التطورات إلى أن الحزب تمكن حتى الآن من الحفاظ على قدر كبير من التوازن في تعاطيه مع التطورات. فرغم الضغوط الكبيرة التي تحيط بالمشهد الإقليمي، لم ينزلق إلى خطوات متسرعة، بل حاول إبقاء هامش من البراغماتية في إدارة المرحلة.

أما إسرائيل ، فهي لا تخفي أنها تفضّل إنهاء الحرب مع إيران سريعًا للتفرغ للملف اللبناني. غير أن المعطيات الآتية من طهران توحي بوجود مقاربة مختلفة تمامًا. فهناك قناعة لدى بعض دوائر القرار الإيراني بأن وقف إطلاق النار بسرعة قد يترك لبنان مكشوفًا أمام ضغوط عسكرية وسياسية كبيرة، وهو أمر لا يبدو أن طهران مستعدة لقبوله بسهولة.

من هنا، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد تمددًا تدريجيًا لما يمكن وصفه بالخطاب العقلاني في المنطقة. فمع تراجع فكرة الحسم الكامل وسحبها من التداول، ستتقدم مقاربات أكثر واقعية تقوم على إدارة الصراع بدل السعي إلى حسمه دفعة واحدة. وفي ظل هذه المعادلة الجديدة، ستصبح الأولوية لتجنب الانفجارات الكبرى، لا لصناعتها.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا