أثبتت الوقائع الميدان ية أن ليس أمام إسرائيل و" حزب الله "، كلّ منهما انطلاقًا من وقائع ومُعطيات مختلفة، سوى اللجوء إلى خيار القتال الهجومي وليس الدفاعي، لمحاولة الخروج من المأزق. وهذا يعني أنّ المعركة ستبقى مفتوحة إلى حين أن يُحقّق أحدهما أهدافه! فما هي هذه الأسباب التي جعلت خيار الهجوم هو المتاح حصرًا؟
البداية مع إسرائيل التي اكتشفت على مضض أنّ كل الضربات والهجمات التي شنّتها على "حزب الله" خلال ما سُمّي " حرب الإسناد "، وفي الأشهر الخمسة عشر التي تلت توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني من العام 2024، أضعفت "الحزب" بشكل لا يقبل الشكّ، لكنّها لم تنجح في إنهائه، وأنّ التعويل على تنفيذ هذا الاتفاق لإنهاء صفحة سلاح "الحزب" بشكل نهائي، هو وَهم. وقد استنتجت إسرائيل الخلاصات التالية:
أوّلًا: البنية التحتية التي عمل "حزب الله" على تشييدها منذ إنتهاء حرب العام 2006 حتى الأمس القريب، صلبة جدًا، وهي -وعلى الرغم من كل ما أصابها من أضرار- ما زالتتشمل مخابئ لا تُعدّ ولا تُحصى تحت الأرض، ومخازن صواريخ كافية لخوض أكثر من جولة قتالية، ومخازن صواريخ مُضادة للدروع بأعداد كفيلة بصد الهجمات البريّة، أو على الأقلّ بإيقاع خسائر جسيمة في صفوف المُهاجمين بالأرواح والمعدّات.
ثانيًا: "الحزب" الذي ينطلق من خلفية عقائدية دينية وسياسية مُتشدّدة، تمكّن خلال فترة زمنيّة قصيرة من تجديد كادراته، وتعويض خسائره البشريّة، وإعادة تجميع صُفوفه، بحيث صار جاهزًا مُجدّدًا لخوض جولات جديدة من القتال الشرس معها.
ثالثًا: قرارات الحكومة ال لبنان ية القاضية بسحب السلاح، إن السابقة أو الحالية أو حتى تلك التي يمكن أن تصادر مُستقبلًا، غير فعّالة ميدانيًا، وهي غير قابلة للتطبيق بشكل حاسم من قبل الجيش اللبناني ، بسبب غياب الغطاء السياسي الشامل، وضُعف الإمكانات، وحساسية التركيبة والتوازنات الطائفية والمذهبية، ودقّة الموقف العام. وطالما لا تشعر السُلطة في لبنان بضغط فعلي، فهي لن تتحرّك جديًا ضُد "الحزب".
رابعًا: القدرة على الإيذاء وإلحاق الضرر التي يتمتّع بها "الحزب" تفوق تلك التي تُشكّلها صواريخ ومُحلّقات إيران عليها، بسبب العامل الجغرافي الحاسم في هذه المجال.فقرب المسافة يضع مناطق إسرائيلية واسعة في مرمى حجر من مواقع "الحزب"، ويُتيح المواجهة الميدانية المباشرة مع الجيش الإسرائيلي، بعكس ما هو واقع الحال عليه مع إيران التي تحتاح لعبور آلاف الكيلومترات للوصول إلى إسرائيل.
بالانتقال إلى "حزب الله" فهو اكتشف على مضض أيضًا أنّ قدرته على المناورة والتفلّت من بُنود اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني من العام 2024 صعبة، وأنّالتعويل على تنفيذ إسرائيل البنود التي تخصّها في هذا الاتفاق بموازاة إبقائه على وجوده وتسلّحه غير ممكن، وأنّالهجمات اليومية المتقطّعة ستبقى قائمة عليه، بل ستشتدّ. وقد استنتج "حزب الله" الخلاصات التالية:
أوّلًا: التعهّدات الواردة في الاتفاق بشأن انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي تحتلّها، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين، ووقف عمليات القتل والاغتيال والقصف شبه اليومية، هي حبر على ورق، ولن توفّر أي حماية له أو لكادراته طالما بقيت موازين القوى على ما هي عليه.
ثانيًا: الضغوط الأميركية ، والمترافقة مع ضُغوط إقيمية ودَولية، لحمل السُلطة في لبنان والجيش اللبناني على نزع سلاح "حزب الله" لن تتوقّف، بل هي آخذت بالتصاعد، وقد بلغت أخيرًا مرحلة مُتقدّمة وحسّاسة جدًا، الأمر الذي يستوجب تحويل الأنظار عن هذا الملفّ في اتجاه آخر.
ثالثًا: الجيش اللبناني غير المُزوّد بالحد الأدنى من الأسلحة المَطلوبة لمواجهة أيّ مُحاولات اجتياح جديدة من الجانب الإسرائيلي، لن يتحرّك عسكريًا ضُدّ "الحزب" طالما المواجهة العسكرية قائمة مع إسرائيل، وطالما أنّ مقاتلي "الحزب" يُحاولون صدّ محاولات التقدّم الإسرائيلية الحدودية.
انطلاقًا ممّا سبق تُحاول إسرائيل حاليًا التي بدأت تدريجًاوتصاعديًا في توظيف جزء من جهدها العسكري الهجومي في لبنان، بدلًا من حصره كلّه في إيران، أن تفرض واقعًا ميدانيًا مُغايرًا، من خلال المزيد من التدمير، وتوسيع دائرة الهجمات. فهي من جهة تسعى جاهدة لضرب ما تبقى من ترسانة أسلحة وذخائر يملكها "الحزب"، ومن جهة أخرى تسعى لوضع السُلطة في لبنان أمام خيارين أحلاهما مُرّ، إمّا التفرّج على تدمير لبنان رويدًا رويدًا، وإمّا التحرّك جديًا ضُدّ "حزب الله". وباعتقادها أنّ لبنان سيرضخ في نهاية المطاف لضغوطها العسكرية المترافقة مع ضُغوط سياسية واقتصادية أميركية ودَولية، للعمل فعليًا على تغيير المعادلة القائمة في لبنان.
في المقابل، يُحاول "الحزب" الذي انتقل إلى الهجوم-ولوّفي توقيت إيراني الطابع، فرض معادلة عسكرية جديدة ستقود برأيه في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاق جديد لوقف للنار، حيث يأمل أن تُؤمّن بنوده الحماية الأمنية التي يحتاجها من الهجمات الإسرائيلية ، ليتفرّغ عندها لمواجهة الضغوط السياسية التي تُمارس على السُلطة في لبنان لسحب سلاحه. وفي حسابات "الحزب" أنه حتى لو فشل في صدّ كل الهجمات الإسرائيلية الميدانية الحدودية، وجرى احتلال بعض القرى والبلدات، فإنّ هذا الأمر سيُعطي الشرعية للحق في "المقاومة المُسلّحة"، بحيث تعود الأمور إلى "نقطة الصفر" وتحديدًا إلى مرحلة ما قبل العام 2000!
في الخلاصة، كل من إسرائيل و"حزب الله" بوضع قتالي هجومي، فإسرائيل تُغير على جزء كبير من مساحات لبنان، وتُحاول التقدّم ميدانيًا في الجنوب، و"حزب الله" يهاجم بصواريخه ومُحلّقاته العمق الإسرائيلي، ويُحاول إيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي في المعارك الحدودية. والكلمة ستبقى للميدان في المرحلة المقبلة، إلى حين ميلان الدفّة بشكل واضح لإحدى الجهتين، الأمر سيمكنها من فرض شروطها.
المصدر:
النشرة