قبل انطلاق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ، كانت جميع الدول الخليجية تحذر من هذا الخيار، مفضلة الذهاب إلى الحل الدبلوماسي، بسبب قناعتها بأن التداعيات على مستوى المنطقة ستكون كبيرة، الأمر الذي تأكد بعد أن وجدت نفسها، منذ اللحظات الأولى، في قلب المعركة، بسبب تركيز طهران على إستهداف القواعد العسكرية الموجودة على أراضيها.
حتى الآن، لا تزال الدول الخليجيّة، في الموقف الرسمي، تُفضل عدم الإنخراط المباشر في الحرب، مكتفية بالخطوات الدفاعيّة، من خلال التصدّي للصواريخ والمسيّرات الإيرانيّة، بسبب قناعتها بأنّأيّ تصعيد من قبلها، رغم تلويحها بأن تطور الأوضاع قد يقودها إلى ذلك، من الممكن أن يدفع طهران إلى تكثيف الهجمات التي تقوم بها نحوها، إلا أنه في المقابل هناك تحوّلاً في النظرة، لدى تلك الدول، تجاه مواقف العديد من الدول العربية.
في هذا السياق، ليس تفصيلاً الإنتقادات التي توجه، من قبل العديد من الشخصيات الخليجيّة المؤثرة، إلى دور الجامعة العربيّة في التعامل مع الهجمات التي تتعرض لها دولهم، بالرغم من أنّ الجميع يُدرك العجز التاريخي الذي تُعاني منها الجامعة، تحديداً على مستوى فعاليّة الدور في الأزمات الكبرى، بسبب التضارب في المصالح بين أعضائها.
في السنوات الماضية، خصوصاً في المرحلة التي تلت أحداث ما بات يعرف ب الربيع العربي ، كان يُنظر إلى دول الخليج العربي على أنها صاحبة التأثير الأكبر في الجامعة، لا سيما بعد الأزمات التي ضربت دولاً أساسياً فيها، أبرزها مصر و سوريا ، وهو ما قاد إلى تبدل في آلية إتخاذ القرارات، التي خرجت عما كان يعرف، منذ لحظة تأسيسها، بحتمية إجماع الدول الأعضاء.
في مقابل العجز الذي يطبع عمل الجامعة، بسب الإنقسامات الدائمة، كان يُنظر إلى مجلس التعاون الخليجي ، رغم التباينات التي كانت تظهر بين الحين والآخر في السنوات الماضية، على أساس أنه تجربة أكثر جدوى، من الممكن البناء عليها على مستوى التكامل العربي الناجح، الأمر الذي يُبرر أن الأصوات الخليجية بادرت إلى المطالبة بالتركيز على هذا الإطار، بعيداً عن ذلك الذي تمثله الجامعة، خصوصاً أنها تتحمل القسم الأكبر من التمويل.
من الناحية المبدئيّة، تُعاني الدول الخليجية اليوم مما كانت تُعاني منه معظم الدول الخليجية سابقاً، أي عجز الجامعة عن أخذ مواقف واضحة ومؤثّرة في الأحداث التي تعني الأعضاء فيها، بالرغم من أن من تُطالب به لا يعدو أن يكون مواقف واضحة، تدين الهجمات التي تقوم بها إيران نحوها، رافضة أي حديث، على الأقل في الوقت الراهن، عن معادلة الهيمنة الإسرائيلية، في حال هزيمة طهران في الحرب، فهي تعتبر أن الأخيرة هي من يستهدفها عسكرياً لا تل أبيب .
في المقابل، هناك العديد من الدول العربية التي تربطها علاقات جيدة مع طهران، ولا تريد التضحية بها في الظرف الحالي، لا بل تُصر على أن الخطر الرئيسي يكمن بمعادلة الهيمنة الإسرائيلية، بالرغم من تفهمها لحجم الغضب الخليجي من الضربات التي تتعرض لها دولهم، لا سيما أن بينها من يعتبر أن إسرائيل تسعى إلى جر دول الخليج العربي إلى المعركة، من خلال دفعها إلى شن هجمات ضد إيران، رداً على ما تتعرض له.
في المحصلة، قد يكون من المبكر الحديث عن تداعيات ما يحصل على مستقبل الجامعة العربية ، على إعتبار أن من الأمور أكثر أهمية، إلا أن هذا لا يلغي أن الدول الخليجية، في المرحلة الحاليّة، تجد نفسها أمام مجموعة واسعة من التحديات، التي من الطبيعي أن تنعكس على رؤيتها في المستقبل، تحديداً بالنسبة إلى علاقاتها الخارجية، سواء على مستوى الدول أو على مستوى التكتلات الإقليمية.
المصدر:
النشرة