منذ اندلاع الجولة الثانية من الحرب الإسرائيلية على لبنان الأسبوع الماضي، بدا واضحًا أنّ صوت الديبلوماسية يتراجع تحت وطأة أزيز المسيّرات التي لم تعد تستثني منطقة دونأخرى، وقد بلغت حتى فنادق العاصمة بيروت ، في مشهد عكس اتساع دائرة الاستهداف إلى مستويات غير مسبوقة. ومع تصاعد المواجهة وتزايد الضغوط الميدانية، يتكرّس الانطباع بأنّ البلد يقف في منطقة شديدة الهشاشة، في ظلّ غياب مؤشرات جدية إلى تدخل سريع قادر على لجم التصعيد.
وإذا كان رئيس الحكومة نواف سلام قد تحدّث عن أفكار مطروحة، ولا سيما من قِبل الجانب الفرنسي، وأبدى استعدادًا للتعامل مع أي صيغة تفاوضية برعاية دولية، فإنّ هذا الكلام، على أهميته، يعكس في جوهره حقيقة أكثر تعقيدًا، وهي أنّه لا توجد حتى الآن مبادرة واضحة ومتكاملة يمكن الركون إليها لوقف الحرب أو حتى لفتح أفق سياسي جدي أمامها. وما هو قائم حتى اللحظة لا يتجاوز حدود الاتصالات والأفكار وجسّ النبض، من دون أن يرتقي إلى مستوى مسار تفاوضي ناضج.
أمام هذا الفراغ الديبلوماسي، والفتور الدولي الذي يعكس حتى الآن غياب إرادة حاسمة للجم التصعيد، تبدو المعضلة
اللبنانية مضاعفة. فالدولة تجد نفسها مضطرة للحركة على أكثر من خط، لاحتواء التداعيات، ومواكبة الاتصالات الخارجية، ومنع الانفجار الداخلي، من دون أن تملك ما يكفي من الأدوات لتغيير المعادلة من أساسها. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل تملك السلطة أكثر من إدارة الخسائر في انتظار تبدّل في المعطيات الخارجية؟
لماذا صمت العالم؟
في الظاهر، لا يمكن القول إنّ لبنان متروك تمامًا. فهناك حركة اتصالات، وأفكار يجري تداولها، ومساعٍ يبذلها رئيس الجمهورية في أكثر من اتجاه، مع تأكيد رسمي على الانفتاح على أي جهد دولي يمكن أن يفضي إلى وقف الحرب، ولعلّ ما قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأسبوع الماضي يندرج في هذا السياق. لكنّ المشكلة أنّ هذه الحركة، حتى الآن، لا تزال دون مستوى التجاوب مع المبادرة الرئاسية، وهو ما يجعلها أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى صناعة حلّ.
والأخطر من ذلك أنّ العواصم المعنية لا تبدو بعد في موقع من يريد فرض تسوية أو ممارسة ضغط كافٍ لوقف النار. فالمشهد الإقليمي لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، فيما تبدو الأولوية للقوة النارية وحسابات الميدان أكثر منها للمخارج السياسية. وبعدما بدا في مرحلة سابقة أنّ "الخماسية" تحاول الإمساك بخيوط المشهد اللبناني بوتيرة أوضح، أدّى الانفجار العسكري الأخير إلى تراجع قنوات الاتصال، ليصبح دور الموفدين الدوليين أقرب إلى نقل الرسائل والتحذيرات منه إلى الضغط الفعلي.
ويبدو أنّ السبب الأعمق لهذا الغياب في المبادرات يعود إلى انهيار "قواعد الاشتباك" القديمة، إذ لم يعد القرار 1701 يشكّل أرضية كافية بالنسبة إلى
إسرائيل التي تسعى إلى فرض واقع أمني جديد بالنار. وهنا تحديدًا تظهر خطورة الفراغ الدبلوماسي النسبي. فلبنان لا يواجه فقط حربًا عسكرية، بل يواجه أيضًا ضبابية سياسية تحاصره من الخارج. وبمعنى آخر، بات البلد رهينة لتسوية إقليمية كبرى قد لا يكون شريكًا في صياغتها، وإن كان من أكثر المتأثرين بنتائجها.
دولة تحاول... لكن ماذا تمتلك؟
هكذا، تحوّل لبنان من ساحة تحظى بحدّ أدنى من الاهتمام الديبلوماسي إلى ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، في انتظار حلّ لا يبدو أنّه سينضج قريبًا. وفي هذا الوقت، تجد السلطة التنفيذية نفسها في موقع المتلقي أكثر مما هي في موقع المبادر، تتحرك في هامش ضيق بين احتواء التداعيات الإنسانية وتوجيه النداءات السياسية. غير أنّ المشكلة لا تختصر بالخارج وحده. فحتى لو توافرت نافذة دبلوماسية جدية، يبقى السؤال: هل يملك لبنان ما يكفي من التماسك ليستفيد منها؟ وماذا تملك الدولة من أوراق قوة في ضوء كل ذلك؟
صحيح أنّ الحكومة عبّرت بوضوح عن توجهها نحو حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، وأنّها أرسلت إشارات سياسية في هذا الاتجاه، وهي عمليًا تسعى إلى الظهور باعتبارها المرجعية الشرعية المخوّلة التفاوض وإدارة الموقف الرسمي، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بواقع داخلي شديد التعقيد، يجعل الفجوة واسعة بين الموقف المعلن والقدرة الفعلية على ترجمته. فالمسألة لا تتعلق بإعلان موقف سيادي فحسب، بل بامتلاك القدرة التنفيذية والإجماع الوطني اللذين يجعلان هذا الموقف قابلًا للتحول إلى سياسة فعلية.
لذلك، يبدو لبنان اليوم عالقًا في حلقة مفرغة: الخارج لا يندفع بقوة لأنّ الداخل ملتبس، والداخل يزداد ضعفًا لأنّ الخارج لا يوفّر مظلة كافية. وفي ظلّ هذه المعادلة، تصبح وظيفة الدولة محصورة، إلى حدّ بعيد، في الحد من الخسائر ومنع التدهور الكامل. لكنّ الاكتفاء بإدارة الخسائر، مهما كان مفهومًا في ظرف كهذا، وانتظار كلمة السر من الخارج، لا يؤديان إلا إلى تكريس موقع لبنان كساحة تتلقّى نتائج الصراع أكثر مما تساهم في رسم نهاياته.
في المحصلة، لا يبدو أنّ لبنان قادر اليوم على فرض وقف للحرب بإرادته الذاتية، لكنّه لا يستطيع أيضًا الاكتفاء بدور المتفرّج على مسار يهدد كيانه واستقراره ومؤسساته. فبين غياب المبادرة الخارجية الواضحة، وضيق الهامش الداخلي، تجد الدولة نفسها أمام امتحان وجودي يتجاوز إدارة اللحظة إلى سؤال الدور نفسه: هل تنجح في تحويل ما تملكه من شرعية وموقع رسمي إلى أوراق سياسية فعلية، ولو محدودة، أم تبقى أسيرة الانتظار إلى أن يقرّر الآخرون شكل النهاية وتوقيتها؟