بعد اكثر من اسبوع على بدء الحرب بين اميركا-اسرائيل و إيران ، وجد ال لبنان يون انفسهم مرة جديدة، وسط دائرة العنف والمجهول، من خلال الخطوة التي اقدم عليها حزب الله وتفرّده بقرار "اسناد إيران". هذا القرار ادى الى انقسام لبناني كبير، والى تداعيات كثيرة طبعت المرحلة الراهنة، ولكن، ماذا لو لم يتخذ الحزب هذه الخطوة؟
من ناحية أخرى، كان من المرجح الا تتخذ الحكومة اللبنانية قرارها الشهير القاضي باعتبار أي نشاط أمني أو عسكري لحزب الله خارج القانون، وكان سيخفف بالتالي من الضغط السياسي على الحزب. كذلك، عدم التدخل كان ليقلل من إحتمال ربط لبنان مباشرة بالصراع الإقليمي (ان لم نقل الدولي) الدائر، وهو كان سيحمي لبنان من أن يصبح ساحة ضغط دائم في حرب إقليمية أكبر. وغني عن القول إن غياب تدخله كان سيزيد الاعتماد على التفاهمات الدولية مع إسرائيل، وربما كان ليسرّع التفاوض معها بشكل مباشر، وهو امر لا يزال دقيقاً وحساساً بالنسبة الى لبنان.
في المقابل، لا يمكن فهم السلوك الإسرائيلي من دون وضعه ضمن المنطق الأمني الذي يحكم الاستراتيجية الاسرائيلية الحدودية منذ عقود. فإسرائيل تنظر إلى حدودها الشمالية من زاوية إدارة المخاطر أكثر منها من وجهة التسويات السياسية. الهدف المركزي في هذه المقاربة هو تقليص قدرة أي قوة على الاقتراب من الحدود أو تهديد العمق الإسرائيلي. لذلك يظهر في التفكير الأمني للاسرائيليين ضرورة إنشاء مسافة آمنة على الحدود، سواء عبر ترتيبات أمنية أو عبر واقع ميداني يفرض نفسه تدريجياً. في هذا السياق، يبرز مفهوم "المنطقة العازلة"، وهو ليس جديداً في الاستراتيجية التي اعتمدت اقامة منطقة أمنية جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000 قبل الانسحاب، إلا أن النقاش الحالي يميّز بين نوعين مختلفين لهذه الفكرة.
النوع الأول هو منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية مع وجود عسكري مباشر، لكن هذا الخيار يعتبر مكلفاً سياسياً وعسكرياً لأنه قد يعيد تجربة الاحتلال الطويل وما رافقها من مقاومة وخسائر كبيرة، ومع فارق اساسي ان الخسائر البشرية ستكون اسرائيلية بالكامل فيما كان "جيش لبنان الجنوبي" يتحمل القسم الاكبر منها. أما النوع الثاني، وهو الأكثر تداولاً في النقاشات الاستراتيجية، فيقوم على إنشاء منطقة عازلة غير مباشرة: أي إبعاد حزب الله شمالاً، مقابل انتشار الجيش اللبناني والقوات الدولية قرب الحدود مع فرض قيود أمنية صارمة على النشاط العسكري في الجنوب.
لا احد يمكن ان يضمن او يؤكد ان عدم دخول الحزب المعركة، كان سيبقي اسرائيل خارج اطار الاعتداءات اليومية التي انتهجتها ضد لبنان، ولكنه كان ليعطي هذا البلد متنفساً يجعله قادراً على التفكير في معالجة امور ملحّة، بدل التعاطي مع مشاكل وصعوبات ومآسٍ زادت حالياً بفعل الحرب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مشكلة النازحين اللبنانيين الذين تخطى عددهم عشرات الالاف، واحتمال "تدمير" الضاحية الجنوبية، وفقدان جنوب الليطاني، من دون ان ننسى الاهم والاثمن وهو ارواح الشهداء الذين سقطوا بأعداد كبيرة...
المصدر:
النشرة