كتب داوود رمال في" نداء الوطن": لم يكن المنطلق لانخراط "
حزب الله " في الحرب الدائرة رد فعل ميدانيًا على تطور عسكري أو سياسي، بل جاء نتيجة مسار طويل من التمهيد السياسي والتنظيمي الذي كشف منذ البداية أن قرار المواجهة اتخذ خارج إطار الإرادة الوطنية
اللبنانية . فـ "الحزب"، وفق الوقائع السياسية التي سبقت اندلاع المواجهة، كان قد رسم خطًا واضحًا في تعاطيه مع مؤسسات الدولة، بدءًا من رفضه الصريح لقرارات الحكومة الصادرة في الخامس والسابع من آب، ومن ثم رفضه ترؤس مدني وفد التفاوض الى اجتماعات "الميكانيزم"، وصولًا إلى موقفه الرافض للقرار الحكومي الأخير الذي اعتبر الجناحين العسكري والأمني لـ "الحزب" خارج القانون. وبين هذه المحطات، بدا أن "الحزب" يتصرف بوصفه صاحب قرار سيادي مستقل عن الدولة، واضعًا نفسه في موقع يتجاوز المؤسسات الشرعية ويؤسس عمليًا لثنائية سلطة داخل
لبنان .وفي ضوء هذه المعادلة، بدا أن الحرب الحالية لم تكن مفاجئة لـ "الحزب". فالمؤشرات التي رافقت اندلاعها تعكس أن استراتيجيتها كانت موضوعة مسبقًا. فقد كشفت المعطيات أن "الحزب" اتخذ سلسلة إجراءات احترازية واسعة قبل فتح الجبهة، أبرزها الإجراءات الأمنية المشددة التي أحاط بها مستوييه القياديين: السياسي والعسكري. هذه الإجراءات، التي شملت تغيير أنماط الحركة والاتصالات وتحصين البنية القيادية، ساهمت في إفشال الضربة
الإسرائيلية الأولى التي استهدفت ما وصفته تل أبيب بـ "بنك أهداف قاتل" للحزب، كان يفترض أن يؤدي إلى شل بنيته القيادية منذ اللحظة الأولى. إلا أن تلك الضربة فشلت في إصابة أي من القيادات الأساسية، ما يعزز فرضية أن "الحزب" كان يستعد مسبقًا لسيناريو الحرب.
تبدو الرؤية التي تحكم سلوك "الحزب" قائمة على قاعدة واضحة: نصمد معًا أو نخسر معًا. وهي قاعدة تعني عمليًا أن أي تهديد وجودي لطهران سيقابله انخراط كامل من "الحزب" في المواجهة، بغض النظر عن الكلفة التي قد يتحملها لبنان. لكن الأخطر في هذه المقاربة لا يقتصر على البعد الإقليمي للحرب، بل يتعداه إلى ما قد يحمله الداخل اللبناني من تطورات لاحقة. فحين يربط "الحزب" مصيره بمصير نظام إقليمي، يصبح السؤال المطروح ليس فقط حول مآلات الحرب، بل أيضًا حول السيناريوات التي قد يهيئ لها في الداخل اللبناني إذا وصلت المواجهة إلى لحظة مفصلية.
وهنا تحديدًا يبرز القلق الأكبر في الأوساط السياسية، إذ تشير بعض القراءات إلى أن "الحزب"، وهو يخوض هذه المواجهة المفتوحة، قد يكون في الوقت نفسه يضع الأسس لمرحلة داخلية مختلفة في لبنان، تحسبًا لأي تحول كبير في موازين القوى الإقليمية. فالحروب الكبرى في المنطقة غالبًا ما تعيد رسم الخرائط السياسية للدول الهشة، ولبنان في مقدمها..
وكتب نجم الهاشم في" نداء الوطن": لن تكون هناك حدود للإجتياح البري
الإسرائيلي إذا حصل. إذا كان كل ما يقوله قادة
إسرائيل السياسيون والعسكريون صحيحًا فإن التوغل البري لن يقف عند حدود الليطاني أو الأولي أو الدامور بل سيصل إلى
بيروت وبعبدا والضاحية وإلى طريق المصنع وزحلة وحتى بعلبك والهرمل. هي معركة إسرائيل الكبرى من أجل الانتهاء من خطر "حزب الله" وسلاحه وهي معركة أيضًا لا حدود لها. بمجرد صدور التهديد الإسرائيلي بإخلاء الضاحية الجنوبية من سكانها هام الساكنون فيها على وجوههم في الطرقات بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.
من المرجح أن الشيخ نعيم قاسم أمين عام "الحزب" لم يكن على علم مسبق بقرار إطلاق رشقة الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل ليل الأحد - الإثنين فجر 2 آذار الحالي، دعمًا للجمهورية الإسلامية في
إيران في حربها ضد
الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. الأرجح أن قادة الحرس الثوري
الإيراني الذين يتولّون قيادة "الحزب" أمنيًا وسياسيًا وعسكريًا هم الذين اتخذوا هذه القرار في ليلة لا ضوء للقمر فيها اعتقادًا منهم أن فتح الجبهة في الجنوب قد يخفف الضغط عن الجبهة المفتوحة في إيران، ولا يهمّ كثيرًا إذا كانوا أعلموا مسبقًا الشيخ نعيم بذلك، أم تركوه يعلم من خلال الأخبار حتى يجد مكانًا أكثر أمانًا يلجأ إليه ويختبئ فيه.
لم يخطئ "حزب الله" وحده في الحسابات. أخطأ أيضًا كل الذين راهنوا على أنه لن يفعل ما فعله. من الحكم والحكومة إلى الرئيس
نبيه بري وسائر المكوّنات السياسية في السلطة وخارجها. ولكن بعدما وقعت الواقعة لم يعد ينفع الندم. أخطأ العهد والحكومة لأنّهما تمهّلا كثيرًا في تطبيق قرارات نزع سلالح "الحزب". حكوا كثيرًًا عن تنفيذ تنظيف منطقة جنوب الليطاني من السلاح والمسلحين وظهر فجأة أن كل ما قالوه وروّجوا له لم يكن حقيقيًا وصحيحًا وأن "الحزب" هو الذي يمتلك سلطة القرار في مسألة السلم والحرب. لو فعلت الحكومة والحكم ما كان يتوجّب عليهما أن يفعلاه منذ تشكيل الحكومة في شباط 2025 لكانا وفّرا على اللبنانيين حربًا جديدة ولكانا حصّنا القرار السيادي وتجنبا أن يتحوّلا إلى جمعية لدفن الموتى ولتأمين الأماكن الصالحة للإيواء. ومع ذلك طلع لهما من يشتمهما ويتهمهما بالتآمر على "الحزب" وبيئته وبالتماهي مع القرار الإسرائيلي. إن كلفة المواجهة مع "حزب الله"، مهما كانت نتئاجها، كانت تبقى أقلّ من كلفة الحرب التي فتحها "الحزب" ضد إسرائيل. كما إن استمرار الحكم والحكومة في الهروب من هذه المواجهة خوفًا من أن تؤدّي إلى صدام أو حرب أهلية كما يهدّد "الحزب" هو الذي يمكن أن يؤدّي إلى هذه الحرب بسبب الإشكالات التي تحصل على الأرض مع النازحين في مختلف المناطق.
عندما هدّد الرئيس الأميركي
دونالد ترامب طهران لم تصدّق التهديد وذهبت إلى التأجيل عبر المفاوضات. ولكن الضربة الأميركية الإسرائيلية كانت مفاجئة وعنيفة. كما بدأت الحرب ضد "الحزب" باغتيال نصرالله في 27 أيلول 2024 بدأت الحرب الثانية ضد إيران باغتيال المرشد وأبرز القيادات العسكرية والأمنية. وكما راهن "الحزب" مع طهران على أن إسرائيل لا يمكن أن تقاتل على أكثر من جبهة ولمدة طويلة من الوقت يراهنون اليوم على أن واشنطن وإسرائيل معًا لا يمكنهما تحمّل حرب لمدة طويلة وعلى أكثر من جبهة. ولكن يبدو أن هذه القراءة خاطئة وأن النتائج لن تكون أقلّ فداحة من نتائج الحرب السابقة. إن وضع حدّ للحرب في إيران لا يعني وضع حدّ للحرب ضد "حزب الله"، بل على العكس قد يكون مؤشّرًا لاستكمال هذه الحرب. وفي ظلّ موازين القوى بين إسرائيل و "الحزب قد يكون الاجتياح أسهل مما يتصوّره "الحزب" وقد يكون بلا حدود.
وكتب عيسى يحيى في" نداء الوطن":
لم يعد البقاع بعيدًا من المشهد الذي عاشه الجنوب ثمّ الضاحية الجنوبية لبيروت. فمع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت مجدّدًا مطلع شهر آذار، بدأت المؤشرات تتجه تباعًا نحو إدخال البقاع في قلب المواجهة، عبر سياسة الإنذارات المسبقة والإخلاءات الواسعة، تمهيدًا لضربات جوية قاسية تستهدف مواقع وبنى تحتية تابعة لـ "حزب اللّه".
ما جرى خلال الساعات الماضية لا يبدو حدثًا معزولًا بقدر ما يشير إلى مسار مرشح للتوسّع، فالكثير من المؤشرات توحي بأن رقعة الإنذارات الإسرائيلية قد تمتدّ إلى بلدات بقاعية أخرى خلال المرحلة المقبلة، في إطار استراتيجية تقوم على الضغط على البيئة الحاضنة لـ "الحزب" ومحاولة تفكيك بنيته اللوجستية والبشرية.ويكتسب البقاع في هذا السياق أهمية خاصة، ليس فقط بسبب وجود مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بـ "حزب اللّه"، بل أيضًا لأنه يشكّل خزانًا شعبيًا أساسيًا لـ "الحزب" وثقلًا اجتماعيًا وسياسيًا له. لذلك، فإن إدخاله في دائرة الضربات يحمل أبعادًا تتجاوز البعد العسكري المباشر. غير أن ما يقلق أبناء المنطقة اليوم لا يقتصر على الغارات نفسها، بل يتعدّاه إلى الكلفة الباهظة التي بدأت الحرب تفرضها عليهم. فالناس هنا يعيشون أصلًا تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، ومع اتساع دائرة النزوح وتوقف الأعمال والخدمات، باتت القدرة على تحمّل تبعات الحرب محدودة إلى حدّ كبير. في البقاع اليوم شعور متزايد بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة، وأن ما بدأ بإنذارات محدودة قد يتحوّل سريعًا إلى جولة أكثر قسوة واتساعًا. وبين الخوف من الغارات المقبلة والعجز عن مواجهة أعباء النزوح، يقف السكان أمام واقع صعب، عنوانه أن البقاع يسير فعلًا على خطى الجنوب والضاحية.