آخر الأخبار

تحوّل إستراتيجي في الشراكة العسكرية الأميركية–الإسرائيلية بعد الضربات على إيران

شارك

شهدت الأيام الماضية تنفيذ ضربات جوية مشتركة بين واشنطن وتل أبيب على أهداف إيرانية. ووفق تحليل لمركز عربي بارز، تمثل هذه العمليات «أول حرب مشتركة علنية» بين البلدين، شاركا في تخطيطها وقرارها وتنفيذها بصورة متزامنة. وأشار مسؤولون إسرائيل يون إلى مفهوم «المزامنة» في الحملة، بمعنى تنسيق دقيق في توقيت الأهداف وتوزيع الأدوار، حيث جندت واشنطن نحو نصف قواتها المقاتلة في المنطقة بينما تولّت إسرائيل كامل مهام طيرانها الحربي والاستخبارات الخاصّة بها. وبحسب هذا المصدر، أصبح الجيشان يعملان كمنظومة موحّدة عالية الكفاءة تحت إشراف مشترك، بعيدًا عن دور الدعم التقليدي فقط. في هذا الإطار، أكد قائد القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم) أن القوات الجوية الأميركية والإسرائيلية تسيطر «بشكل كامل» على أجواء إيران، وأن الضربات المشتركة أفضت إلى «تحييد كبير» لأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية وتدمير 17 سفينة إيرانية واعتداءات على منصات إطلاق صواريخ متعددة خلال الأيام الماضية.

وفيما يسجل النشطاء تقدّم العمليات الميدانية، تبقى ملفات المعلومات الاستخباراتية محور التركيز. فقد أشارت صحيفة «جيروزالم بوست» إلى أن جهاز الموساد الإسرائيلي كان في طليعة جهود الاغتيالات قبل بدء الحرب، حيث شارك باغتيال عدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين وعلماء نوويين خلال حزيران عام 2025 مستخدمًا «مئات الوكلاء» وتقنيات عالية الدقة. ويعكس ذلك شراكة استخباراتية عميقة: الولايات المتحدة تزود إسرائيل بخرائط أهداف ورؤى تقنية، بالمقابل تحصل على استخبارات ميدانيّة داخليّة دقيقة من عملاء إسرائيليين. وبذلك تجاوزت العلاقة العسكرية حدّ المعونات السنويّة التقليديّة إلى شراكة تكنولوجيّة واستراتيجيّة متكاملة على مدى أعوام.

تنسيق العمليات في الشرق الأوسط

امتد التنسيق الأميركي–الإسرائيلي إلى ساحات العمليّات في سوريا والعراق وغيرها. إذ استهدفت إسرائيل منذ أعوام قواعد ومنازل « حزب الله » والإيرانيين في سوريا والعراق بصورة متكررة، وغالبًا ما كان يتم الأمر بتفاهم ضمني مع الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، كتب باحثون أن الضربة الإسرائيلية على قاعدة تي4 الجوية السورية عام 2018 جرت بـ«مباركة ضمنيّة» من واشنطن. وفي المقابل، شنّت واشنطن ضربات صاروخية ضد مجموعات إيرانية في العراق وسوريا. وهكذا شهدت سماء المنطقة جولات متعاقبة من الغارات، حسب تنسيق استخباراتي مسبق ومهام مشتركة: فإسرائيل تواكب بإخراج معلومات الاستخبارات الحية، بينما توفر الولايات المتحدة الغطاء الجوي والأهداف الاستراتيجية.

كما عمّق الجانبان تبادل التكنولوجيا العسكرية. فقد نشرت واشنطن منظومات دفاع جوي متقدمة (باتريوت، وثاد) في إسرائيل ودول خليجية لمواجهة الصواريخ والطائرات الإيرانية، بينما قدمت تل أبيب نظرات على أنظمة دفاعها (مثل «قبة الحديد» و»مقلاع داود») وتقنيات التشويش على الطائرات المسيّرة. ويدل تقريرٌ لمعهد واشنطن للأبحاث على أن قائد سنتكوم أسّس روابط فنية وعملياتية متقدمة تمكّن من «تبادل استخباراتي سريع» وتنسيق فعال في منظومات الدفاع الجوي مع الشركاء الإقليميين، الأمر الذي مكّن حلفاء واشنطن في الخليج من إسقاط مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وخلاصة ذلك أن كل الضربات الميدانية تُنفّذ على ضوء تكنولوجيا مشتركة، حيث تُسهم استخبارات إسرائيليّة متقدّمة في اختيار الأهداف بدقّة، وتوفر الولايات المتحدة الذخائر البعيدة المدى القادرة على الوصول إليها.

انعكاسات إقليمية على أمن الخليج

في سياق متّصل، ومنذ بدء الحرب الاسرائيلية الاميركية على الجمهورية الاسلاميّة، انتشرت أعمدة الدخان في العاصمة البحرين يّة المنامة بعد استهداف قاعدة الأسطول الأميركي الخامس بصاروخ إيراني. وقد أثّرت التطورات الأمنية مباشرةً على دول الخليج. ففي الإمارات مثلاً أعلنت السلطات اعتراض 172 صاروخًا باليستيًّا و755 طائرة مسيّرة إيرانية منذ بدء التصعيد، فيما أكدت وزارة الخارجية الإماراتية أنها لم تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لأيّ هجوم على إيران، محافظةً بذلك على سياسة «حسن الجوار وعدم التصعيد». وعلى الرغم من هذه الاحترازات، فإن الدول الخليجيّة كانت قلقة من احتمال تصاعد الاشتباك: فقد دانت السعودية بقوة الاعتداءات الصاروخية الإيرانيّة التي طالت الإمارات والبحرين و قطر و الكويت و الأردن ، محذّرة من «العواقب الوخيمة» لاستمرار انتهاك السيادة. وفي الدوحة أيضاً صدرت إدانات للاعتداءات على أراضيها: فقد أعلنت قطر إدانتها الشديدة للانتهاك الصارخ لأجوائها بصواريخ إيرانية، واتخذت إجراءات أمنية بإخلاء محيط السفارة الأميركية لديها وحضّت طهران على «وقف فوري» للضربات لتجنيب دول الجوار النزاع.

بذلك يتضح أن دول الخليج اتخذت موقفاً حذراً يجمع بين دعم الموقف الأميركي العام ضد تهديدات إيران وحماية مصير أمنها الداخلي. فجميعها أكدت ضرورة ضبط النفس وتجنب التصعيد، لكنها في الوقت نفسه استنكرت الاعتداءات الإيرانية على سيادتها. وعلى الصعيد العسكري، يعمل الحلفاء الخليجيون جنبًا إلى جنب مع واشنطن على تقوية دفاعاتهم: فقد شاركت بطاريات باتريوت وثاد أميركية في حماية قواعدهم ومرافقهم الحيوية، تزامنًا مع انخراط أجهزتهم الجوية في اعتراض الصواريخ الإيرانية. كما أفادت تقارير بأن إسرائيل ستزوّد الخليج قريبًا بأنظمة متقدمة للدفاع الجوي ردًا على الكثافة الإيرانيّة المتزايدة في هجماتها.

المواقف الأوروبية والدبلوماسية

على الساحة الدولية، بادرت الدول الأوروبية إلى نداء وضبط النفس والعودة إلى الحلول الدبلوماسية. فقد صدر بيان مشترك لرؤساء مؤسسات الاتحاد الأوروبي دعا فيه إلى «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس» والتركيز على حماية المدنيين ومنع أي إجراءات تعمّق النزاع. وأكدت المفوضية الأوروبية والمجلس أن أولوية الاتحاد هي «ضمان السلامة النووية» ومنع أي تداعيات تصعّب الالتزام بميثاق حظر الانتشار النووي. وفي سبيل ذلك بدأت بعض العواصم بسحب دبلوماسييها غير الضروريين من المنطقة، وألمحت دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا إلى الرغبة في استئناف طاولة المفاوضات مع طهران بعد وقف الأعمال العدائية. كما حذّر مسؤولون أوروبيون من أن أي توسّع للصراع قد ينعكس سلبًا على أسواق الطاقة والأمن العالميين.

وفي المحافل الرسمية، أكّد القادة الأوروبيون أن الرد العسكري الأوسع قد يتعارض مع الدعوات للحوار. فمثلًا كررت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين ورئيس المجلس الاوروبي انطونيو كوستا مطالبتهما جميع الأطراف بـ«احترام القانون الدولي» والعودة إلى طاولة المفاوضات. ويبدو أن أوروبا باتت تعبّر بصوت واحد عن تخوّفها من أن تؤدي العمليات المسلحة إلى كارثة إنسانية أوسع وتفجير مواجهة إقليمية يصعب السيطرة عليها. وفي ضوء ذلك، تستمر الدول الأوروبية في الضغط على واشنطن وطهران للتهدئة، إذ سيُختبر مدى قدرة التحالف الأميركي–الإسرائيلي على التوفيق بين أهدافه العسكرية ومطالب المجتمع الدولي بالدبلوماسية والضبط.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا