مع استمرار الهجمات الأميركية–ال إسرائيل ية على إيران بشراسة، ومواصلة طهران في المقابل ضربها لإسرائيل والقواعد الأميركية وتفعيل الاستهدافات التي تطال خط إمداد النفط العالمي عبر مضيق هرمز ، في ظلّ توقّعات بتوسيع هذه الهجمات لتطال أوسع عدد ممكن من المصالح الاقتصادية في قطاعات النفط والاقتصاد والمال وحتى أنظمة تكرير المياه، والتي تُعدّ كلّها مُجتمعة حيوية جدًا لاستمرارية دول الخليج، وبالتالي لاستقرار الوضع الاقتصادي والمالي العالمي، يبرز السؤال المركزي: صواريخ مَن ستنفُد أوّلاً؟ فالإجابة على هذا السؤال يمكن أن تؤشّر بنسبة كبيرة إلى من سينتصر في هذه الحرب!.
نعم، في حال نجحت الخطة الأميركية في ضرب كامل منصّات إطلاق الصواريخ الباليستية (الثابتة والمُتحرّكة منها) التي تملكها إيران، وفي تدمير مُعظم مخزون طائراتها من دون طيّار، سيُصبح النظام الإيراني في موقع مُتلقّي الضربات حصرًا، من دون القُدرة على الإيذاء وإلحاق أي ضرر مهمّ، لا سيّما بعد تدمير مُعظم طائراته الحربية النفّاثة وطوّافاته وفرقاطاته البحرية التي يُمكن أن تُشكّل خطرًا جديًا على الخُصوم. وبالتالي، عند نفاد مخزون الصواريخ الباليستية، أو عند تدمير منصّات إطلاقها، سيبدأ العدّ العكسي لتاريخ سُقوط النظام الإيراني، لأنّه سيُصبح عُرضة لهجمات تدميرية مفتوحة، من دون أي قُدرة على إيجاد توازن ردع. وهنا إشارة إلى أنّ خطّة الدفاع الإيرانية المُعدّة سلفًا، تنصّ جزئيًا على قصف إسرائيل وضرب القواعد الأميركية في المنطقة، لكنّها تُركّز بشكل أساسي على هزّ أسس الاستقرار الاقتصادي والمالي لدول الخليج، وعبرها للعالم أجمع، على أمل تدخّل الدول العالمية لوقف الحرب على إيران في أسرع وقت ممكن، قبل انهيار الأمن الاقتصادي والمالي العالمي برمّته! وهذه الخطة الإيرانية تهدف إلى مُحاولة وضع العالم أجمع أمام خيارين: إمّا التدخّل بسرعة لوقف الهجمات الأميركية والإسرائيلية عليها، وإمّا تحمّل الارتدادات الاقتصادية والمالية السلبية التي ستتصاعد تدريجًا، والتي ستُرخي بثقلها على العالم أجمع، من غلاء فاحش، وركود اقتصادي، وانهيار مالي...
وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أنّه بحسب مؤشر رصد عسكري غربي يتمتّع بمصداقية عالية، أظهرت وقائع الحرب القائمة في المنطقة، خطًا انحداريًا بالنسبة إلى قُدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات من دون طيّار، خلال الأيّام الخمسة الأولى للحرب. وفي هذا السياق، أطلقت إيران في اليوم الأوّل 350 صاروخًا باليستيًا و294 مُحلّقة، وفي اليوم الثاني 175 صاروخًا باليستيًا و541 مُحلّقة (استثناء)، وفي اليوم الثالث 120 صاروخًا باليستيًا و200 مُحلّقة، وفي اليوم الرابع 50 صاروخًا باليستيًا و85 مُحلّقة، وفي اليوم الخامس 40 صاروخًا باليستيًا فقط، و45 مُحلّقة فقط. صحيح أنّ القوّات الإيرانية قد تكون بدأت نوعًا من التقشّف للتمكّن من القتال وإلحاق الأذى لأطول فترة ممكنة، لكنّ الأصحّ أنّ مخزونها ينضب ويتآكل بسرعة بسبب القصف المتواصل الذي تتعرّض له، وعمليات الإطلاق المُستمرّة التي تقوم بها، من دون أن تكون قادرة على تأمين أي إمدادات من خارج إيران. وهي تُعوّل حاليًا على الهجمات بالصواريخ والمُحلقّات التي تُؤازر حملتها الأمنية، وذلك من جانب كلّ من " حزب الله " اللبناني، و" الحشد الشعبي " العراقي، في انتظار انخراط حركة " أنصار الله " اليمنية بالمعركة أيضًا.
في المقابل، لا شك أنّ مخزون الصواريخ الاعتراضية التي تملكها الدول الخليجية يتراجع بشكل سريع، نتيجة المواجهة المفتوحة، حيث جرى حتى ليل الخميس–الجمعة اعتراض نحو 2200 صاروخ باليسيتي ومُحلّقة! والقدرات الدفاعية لبعض الدول مثل السعودية و الإمارات لا تزال أفضل ممّا صارت عليه في البحرين مثلًا. وفي كلّ الأحوال، يُمكن لهذه الدول الدفاع بأقصى فعالية لأيّام عدّة إضافية فقط، في حال بقيت وتيرة الهجمات الإيرانية مرتفعة، ولأسابيع معدودة جدًا في أفضل الأحوال، في حال خفّت وتيرة الهجمات الإيرانية. من هنا، تجري خلف الكواليس حاليًا جهود حثيثة لتأمين صواريخ اعتراضية بسرعة لهذه الدول، ليس من أميركا فحسب، بل من أي مصدر مُتاح، وبخاصة من أوروبا. حتى أنّه تُوجد مفاوضات مع أوكرانيا التي طوّرت أنظمة صواريخ اعتراضية لمواجهة الهجمات الروسية، من أجل بيع قسم منها إلى الدول الخليجية، خاصة وأنّها منخفضة الكلفة بعكس الصواريخ الاعتراضية الأميركية الباهظة الثمن. والقرار الأميركي–الغربي مُتخذ بأنّه لا يمكن ترك الدول الخليجية عرضة للهجمات الإيرانية من دون وسائل دفاعية، لأنّ هذا الأمر يعني هروب كل الشركات الغربية، مع ما سيكون لذلك من انعكاسات خطيرة على الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي.
إلى ذلك، يجري حاليًا وضع خطط عاجلة لتأمين تصدير النفط إلى العالم عبر ممرّات بديلة عن مضيق هرمز، أو في ظلّ مرافقة عسكريّة مُشدّدة عبر الممرّ المذكور. والاتصالات قائمة لإقناع العديد من الدول الأوروبية والغربية لإرسال طائرات وصواريخ، ليس بغرض القيام بمهمّات هجومية ضُدّ إيران، بل من أجل تنفيذ مهمّات دفاعية، لحماية دول الخليج، وإمدادات النفط، والمصالح التجارية في المنطقة التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمصالح العالم الغربي ككل. وتحت العنوان العريض نفسه، يؤكّد خبراء في الجغرافية–السياسية في قراءة للأحداث العالمية الكبرى، أنّ توقيت إسقاط حُكم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم يكن صُدفة، بل هو جاء لتأمين مخزون نفطي آمن لصالح الولايات المتحدة الأميركية أوّلًا، والدول الغربية ثانيًا، وباقي دول العالم ثالثًا، تمهيدًا للحرب التي كانت مُقرّرة مُسبقًا على ايران والتي انعكست سلبًا على عمليّات تصدير النفط من حُقول وآبار منطقة الشرق الأوسط، كما كان متوقّعًا!.
في الخلاصة، إيران من جهة ودول الخليج من جهة أخرى، في سباق مع الوقت حاليًا، فإمّا تُصبح إيران عُرضة لقصف متواصل ومفتوح من دون قدرة على الإيذاء إلى حين سُقوط الدولة العميقة المُتجذّرة في طهران منذ نصف قرن، وإمّا تُصبح المصالح الخليجية ومعها الغربية عُرضة لقصف متواصل ومفتوح من دون قدرة دفاعية تحول دون تسريع وتيرة الانهيار الاقتصادي–المالي والذي سيُرخي عندها بظلاله على الأغلبية الساحقة من دول العالم وشعوبه!.
المصدر:
النشرة