يواجه لبنان اليوم تصعيدا عسكريا غير مسبوق في جنوبه، مع تنفيذ إسرائيل عمليات برية وجوية واسعة تهدف إلى تهجير السكان وفرض واقع ميداني جديد على الحدود. وهذه التحركات تأتي ضمن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى استدراج لبنان إلى مفاوضات سلام تفرض فيها تل أبيب شروطها بالكامل، بما في ذلك التطبيع أو فرض وصاية أمنية وعسكرية على الجنوب، مما يضع لبنان في موقف دفاعي شديد الحساسية ويعيد رسم معالم السيطرة على الأرض.
في الساعات الأخيرة، بدأ الجيش
الإسرائيلي عملية توغل
بري
جنوب لبنان ، لإقامة ما وصفها بـ"منطقة أمنية" في نقاط استراتيجية، مع تمركز قواته تحت ذريعة "الدفاع الأمامي عن بلدات
الشمال ". تولت الفرقة 91 (فرقة الجليل)، المسؤولة عن الجبهة من رأس الناقورة حتى مزارع شبعا، مهام التوغل، مدعية حماية مستوطنات شمال إسرائيل ومنع أي تهديد أمني أو تسلل محتمل. بالتوازي، شنت إسرائيل غارات واسعة على البنية التحتية التابعة لحزب الله، في محاولة لفرض ما وصفته بطبقة أمنية إضافية لتأمين الحدود.
تزامن هذا التصعيد مع إصدار إنذارات لسكان نحو ثمانين قرية وبلدة لإخلائها فورًا، ضمن خطوات تمهيدية لشن عمليات عسكرية، وهو ما يعكس خطة إسرائيلية لفرض شريط أمني متكامل وإفراغ المنطقة من سكانها الأصليين. واصدر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إلى جانب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعليماتهما للجيش "بال
تقدم والسيطرة على مواقع استراتيجية مرتفعة إضافية" في لبنان"، وبالتالي فإن الهدف الاستراتيجي يتجاوز مجرد الرد على الهجمات السابقة، ويتجه نحو فرض واقع أمني وسياسي جديد في الجنوب .
وبشير الإعلام العبري إلى أن إسرائيل تستهدف توسيع عمليتها لتشمل كامل جنوب لبنان حتى مشارف نهر الليطاني، في خطوة لإضعاف قدرات
حزب الله وإقامة منطقة عازلة. وتأتي هذه الخطوة رغم جهود بعض الدول الغربية لثني تل أبيب عن المضي في خطتها.
في هذا الإطار، تواصل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع عدد من القادة الدوليين، حيث طلب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تدخل
فرنسا لوقف التوغل الإسرائيلي، وأبلغ السفير البابوي باولو بورجيا بالمستجدات طالبًا تدخل الكرسي الرسولي، كما ناقش الأوضاع مع رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس في ضوء توسع الاعتداءات في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه إذا قررت إسرائيل القيام بعملية برية في لبنان فسيكون ذلك تصعيدا خطيرا على الأرض،فيما بدأ الجيش إخلاء مواقعه المتقدمة عند الحدود للتمركز في نقاط أخرى، بينما نفذت القوات
الإسرائيلية عمليات تمشيط واسعة من موقعها المستحدث على تلة حمامص باتجاه الخيام وسهل مرجعيون. وهذا التصعيد يستهدف البنية التحتية ويضع لبنان أمام تهديدات مباشرة على سيادته وأمنه، فيما سجلت اليونيفيل عشرات الغارات ومئات حالات إطلاق النار وانتهاكات القرار 1701، ما دفعها إلى إجلاء جميع موظفيها المدنيين غير اللبنانيين مع عائلاتهم، وهو مؤشر على حجم المخاطر المتصاعدة على المدنيين والمرافق الحيوية.
وفق أوساط سياسية، ما يجري ليس مجرد رد على إطلاق صواريخ، بل محاولة لإفراغ الحافة الحدودية وفرض شريط أمني متكامل تحت السيطرة الإسرائيلية، ما قد يؤسس لاحقا لشروط سياسية تفرضها تل أبيب على لبنان، سواء عبر اتفاق سلام مستقبلي أو وصاية أمنية فعالة. وفي حال وصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف نهر الليطاني، فإن ذلك يعني إعادة إحياء مشروع الحزام الأمني قبل 2000، بصيغة أوسع وأكثر صرامة تشمل كامل الجنوب ومداخل
البقاع
الغربي .
مع تصاعد الأحداث، تظل الوساطة الدبلوماسية رهينة قرار القوى الدولية، ومدى قدرة الدولة
اللبنانية على وقف مشروع إعادة فرض واقع أمني جديد في الجنوب، وما إذا كان ذلك سيترك أثرا طويل الأمد على خريطة الصراع والتوازن السياسي في لبنان والمنطقة.