على امتداد الأيام القليلة الماضية، عاش لبنان حالة حبس أنفاسٍ خوفًا من الانزلاق إلى حربٍ على إيران تتّسع إقليميًّا. كانت التهديدات ال إسرائيل ية واضحة ومباشرة: أي دخول لـ" حزب الله " على الخط سيعني إطلاق يد تل أبيبلتنفيذ ما يقول الحزب نفسه إنّه "مخطّطها من الأساس"، وهي التي لم تلتزم أصلًا باتفاق وقف إطلاق النار الذي بقي يُنفَّذ من طرف واحد.
لكن لم يطل الوقت قبل أن يخرج لبنان من هامش التفرّج القلِق إلى قلب العاصفة، بعدما قرّر الحزب الدخول المباشر على خط المواجهة الإقليمية الكبرى، تحت عنوان "الانتقام" لروح المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران السيدعلي خامنئي، وذلك رغم الدعوات الرسمية إلى تحييد الداخل وتجنّب فتح جبهة تُسقط ما تبقّى من استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي.
وبعدما اعتقد كثيرون أنّ الحزب “لن يفعلها”، ليس فقط لأنه مُنهَك ولم يستعِد عافيته الكاملة بعد، بل لأنه "يعلم" هذه المرّة أنّ تبعات أي خطوة، ولو رمزية، ستكون قاسية عليه وعلى البلد، جاءت العملية التي نفّذها فجر الإثنين لتقلب المشهد رأسًا على عقب، وتعيد البلاد سريعًا إلى زمن " الحرب بالمطلق"، التي لا تزال ترخي بظلالها على البلد حتى اليوم.
الحزب قال إن عمليته جاءت "ثأرًا" لخامنئي، أي بوصفها فعلًا انتقاميًّا رمزيًّا لمن يمثّل "المرجعية الأولى" له سياسيًّا وعقائديًّا. غير أنّ المشكلة أنّ هذه العملية بدت محدودة،فهي لم تكن دقيقة ولا نوعية، ولا تحمل أثرًا استراتيجيًا قابلًا للبناء عليه، لكنها كانت كافية لفتح أبواب جحيمٍ يُدرك الجميع أنّ إسرائيل كانت مستعدّة له، بعكس لبنان.
فهل كان الأمر يستحقّ المخاطرة، أم أنّ "رفع العتب" تحوّل إلى قرار يجرّ لبنان كلّه إلى حرب لا يملك مفاتيحها؟.
حسابات "حزب الله"
في القراءة العسكرية والسياسية للعملية التي نفّذها "حزب الله"، يبدو أنّه انطلق من حسابات مزدوجة وحَرِجة: حسابات "المحور" من جهة، وحسابات صورة الحزب داخليًّا من جهة أخرى. فالحزب وجد نفسه أمام التزام عقائدي وأخلاقي تجاه من يمثّل له "المرجعية الأولى" ورمز المحور، ما جعل الردّ، ولو بالحد الأدنى، جزءًا من معركة الصورة والهيبة داخل بيئته وأمام حلفائه.
من هنا كان لا بدّ من تحرّكٍ ميداني يكسر صمت الاغتيال ويؤكد أنه "لا يزال هنا"، وقادر على توجيه الضربات لنفي تهمة الاستنزاف والإنهاك. إلّا أنّ طبيعة العملية نفسها لم تثبّت الأمر، بل وضعتها في خانة رفع العتب”. فعلى الرغم من صخب الصواريخ، لم تكن العملية "دقيقة" أو "نوعية"بالمعنى الاستراتيجي الذي يبدّل موازين القوى أو يثبت معادلة ردع جديدة، بل بدت أقرب إلى تسجيل موقفٍ يقتصر على عبارة "فعلنا شيئًا".
وبذلك، يمكن قراءتها محاولة لإثبات الوجود أكثر منها سعيًا لتحقيق إنجاز عسكري ملموس، وهنا تحديدًا تكمن خطورتها: لا تحقّق مكسبًا ردعيًّا واضحًا، لكنها تمنح الخصم الذريعة الكاملة لتوسيع النار. وإذا كان الحزب محكومًا، كما تحاول أوساطه الترويج، بسقف "الاضطرار"، فإنّ الإشكاليّة الأساسية تبقى في الأداء، الذي افتقر للدقّة المعهودة أو للمفاجأة الاستراتيجية، ما دفع البعض إلى القول إنّ “تواضع الضربة” قد يكون شجّع الجانب الإسرائيلي على قراءة العملية بوصفها مؤشرًا إلى أنّ قدرات الحزب الدفاعية والهجومية باتت "مقيّدة".
نقمة داخلية
كان من البديهي أنّ تفجّر عملية "حزب الله" نقمة داخلية كبيرة، وسط "شبه إجماع" على أن الخطوة غير موفّقة، لا في التوقيت ولا في الحسابات، خصوصًا مع شعور اللبنانيين أنهم يساقون إلى محرقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأن قرار الحرب والسلم بات مرتبطًا بأجندات عابرة للحدود، فالحرب تُخاض على أرض لبنان وبناسه وباقتصاده، فيما قرارها النهائي ليس في يده.
الإشكالية الأساسية هنا، كما يراها العارفون، تكمن في تقدير الموقف. فقد كان من الواضح أنّ إسرائيل تتحيّن الفرصة لتوسيع رقعة النار وتدمير ما تبقّى من بنى تحتية وقدرات عسكرية، وكان الحزب يدرك أنّ إسرائيل ستذهب إلى أقصى حدود التصعيد حتى لو كان الردّ رمزيًّا. ومن اللافت أنّ النقمة هذه المرّة تجاوزت الاصطفافات التقليدية، حتى إنّ هناك من استغرب توقيت العملية عند الفجر، من دون أن يكون الناس مجهَّزين نفسيًّا ولوجستيًّا لموجة إخلاءاتٍ أو نزوحٍ مفاجئ.
وترجمت هذه النقمة نفسها في تباينات علنية بين القوى السياسية، وحتى داخل بنية الدولة، حيث عبّرت مصادر رئاسية وسياسية عن خيبة أمل كبرى، ولا سيما أنّ خطوة الحزب خرقت التفاهمات والتطمينات السابقة التي كانت تعوّل على تجنيب لبنان تداعيات الصراع الإيراني-الإسرائيلي المباشر. وهو ما انعكس على جلسة الحكومة التي شدّدت على أنّ قرار الحرب والسلم حصرًا بيد الدولة، وخلصت إلى إجراءاتٍ سياسية وأمنية تُوصف بأنها غير مسبوقة بوضوحها، من بينها حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب وحصر دوره بالشق السياسي.
أيّ آفاق للمواجهة؟
في الميدان، انعكست الكلفة سريعًا: موجة نزوح من الضاحية و الجنوب ، ومدارس فُتحت كمراكز إيواء، بالتوازي مع إنذارات إسرائيلية بالإخلاء لعشرات البلدات والقرى. وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في الصالونات السياسية والشعبية: إذا كانت إسرائيل ستوسّع حربها بأيّ ذريعة، فهل كانت المخاطرة بالدخول المباشر من أجل "ثأر خارجي" خطوة مدروسة، أم أنّها كانت هروبًا إلى الأمام تحت ضغطٍ إقليمي لم يترك للحزب هامشًا كبيرًا للمناورة؟
السؤال الأكبر لا يتعلّق فقط بقرار الحزب، بل بما بعده. فإسرائيل تتعامل مع فتح الجبهة اللبنانية كفرصة لاستكمال الضغط على أذرع إيران، وقد ذهبت إلى التلويح باستهداف قيادات الحزب، وفي مقدّمهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم ، بالتزامن مع استدعاء واسع للاحتياط واحتمالات توسيع العمليات. ولذلك، تبدو البلاد أمام حرب "غير عادلة"بمعناها السياسي، و"غير متكافئة" بمعناها العسكري، لأن لبنان سيدفع أثمانها الكبرى فيما مفاتيحها موزّعة خارج حدوده.
حتى الآن، يصعب التكهّن بسيناريوهات الحرب، إلّا أنّ ما يمكن ترجيحه أنّ البلد يتّجه إلى واحد من مسارين أحلاهما مُرّ: إمّا توسّع ميداني متدرّج يفرض "روتين الحرب" من جديد (إخلاءات، نزوح، ضربات متقطعة واسعة)، وإمّا ضغط سياسي-دولي كثيف يُترجم بتشديد غير مسبوق على الدولة اللبنانية لتثبيت احتكارها لقرار السلم والحرب. وفي كلا المسارين، "المكسب" الذي حققته عملية الحزب، إن وُجِد، يبقى أصغر بكثير من الخسارة التي فتحتها.
الخلاصة المُرّة أنّ لبنان اليوم يدفع ثمن "الوفاء للمرجعية"من رصيد شعبه واستقراره. فالعملية التي أرادها الحزب لإثبات حضوره وقوته، قد تكون هي الذريعة التي منحت إسرائيل "الضوء الأخضر" لتنفيذ مخططها. وهنا يعود السؤال الذي يجب أن يبقى في صلب أي نقاش عقلاني: إذا كانت إسرائيل ستوسّع حربها بأيّ ذريعة، فهل نمنحها الذريعة الأسهل ونُسقط آخر أوراق التحييد؟ وهل كان "رفع العتب" يستحق كل هذا الدمار؟.
المصدر:
النشرة