فعلتها الولايات المتحدة الاميركية و اسرائيل ، وقامتا بتخطي الخط الاحمر الموضوع منذ سنوات والمتمثل باغتيال المرشد الاعلى للجمهورية ال ايران ية السيد علي خامئئي . كان يقتضي الامر تلاقي "مجنونان" للقيام برسم الشرق الاوسط الجديد بحسناته وسيئاته، وهذا ما حصل بالفعل اذ شاءت الصدف ان يحلّ كل من مجنون اسرائيل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ، ومجنون اميركا دونالد ترامب في نفس الزمان للعبث بصورة ومستقبل المنطقة ككل، من هنا، شدد الرجلان على ان هذه اللحظة قد لا تتكرر، وذلك في معرض حديث كل منهما عن الوضع في ايران وسوريا ولبنان وباقي الدول، لانه من النادر جداً وصول رجلين متفلتين من اي ضوابط الى السلطة، وتعاونهما الوثيق بهذه الدرجة لتحقيق ما يريدانه ويريان انه جيد لهما.
في الواقع، يجب الاعتراف بأنه هذه المرة، تمكن الرجلان من تحقيق هدف واضح حدداه من قبل: استهداف رأس السلطة في ايران تمهيداً لتغيير النظام، وقد يكون الامر صحيحاً لان ايران بلد تحكمه العقيدة الدينية، وعلى الرغم من امكان تعيين اشخاص لملء اي فراغ في السلطة، الا ان الشخص بذاته يتمتع بقيمة معنوية ودينية من الصعب جداً تعويضها، وهذا ما كان عليه حال حزب الله في لبنان بعد اغتيال امينه العام السابق السيد حسن نصر الله .
نفّذت عملية اغتيال الخامنئي بنجاح، ولكن السؤال ماذا بعد؟ هل انتهت الامور عند هذا الحد؟ الجواب بكل بساطة: لا. يدرك الاسرائيليون والاميركيون على حد سواء، ان ازاحة خامنئي لا تعني حكماً الانتقال الى حال اخرى في ايران، ومع ان هذه الخطوة كبيرة واساسية في اي تحوّل للنظام الايراني، فإنها تبقى في حاجة الى عامل مهم وهو الوقت. لن يتغيّر النظام في ايران بين ليلة وضحاها، فهو تم بناؤه على مدى عقود طويلة وترسّخت في اذهان غالبية الايرانيين العقيدة الدينية التي يرتكز عليها النظام، وبالتالي لا يمكن ازالة هذه العقيدة خلال ايام او اسابيع او حتى اشهر. ولكن في المقابل، لا بد من التشديد على ان غياب خامنئي، من شأنه تقوية التيار المعارض داخل ايران الذي سيجد له متنفساً اكبر بين قسم من الايرانيين الذين سيعملون على تشكيل نواة معارضة منظمة لتنمو وتصل بعد وقت، الى حد المناصفة مع المحافظين، وعندها تبدأ المعركة الحقيقة لتغيير النظام، ويجب الاشارة الى ان نجاح اي دعم للمعارضة لا يرتبط فقط بحجم الصدمة التي أحدثها اغتيال المرشد، بل بمدى تماسك مؤسسات النظام، ولا سيما الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، وقدرتها على تحويل الحدث إلى عامل تعبئة وطنية بدلاً من كونه مدخلاً للتفكك. كما أن المعارضة نفسها تعاني تاريخياً من تشتت تنظيمي وتباين في الرؤى والقيادات، ما يجعل قدرتها على تشكيل بديل موحّد موضع تساؤل. يضاف إلى ذلك أن أي دعم خارجي مباشر قد يمنح السلطة ذريعة لاتهام خصومها بالارتهان للخارج، بما يضعف شرعيتهم داخلياً.
اغتيال خامنئي نظر اليه الكثيرون من منظار مختلف، كل وفق رؤيته. ففي لبنان، كان من الطبيعي ان تراه الطائفة الشيعية استهدافاً لها ولعقيدتها ومبادئها وتتحسر على ما اصابها، فيما اعتبرالبعض ان ما حصل في ايران كان بمثابة شهادة براءة للمسؤولين الايرانيين من الاتهامات التي طالتهم بعد الضربات المتتالية التي تعرض لها حزب الله منذ اكثر من سنة، اذ تبيّن ان العمل الاستخباراتي الاميركي-الاسرائيلي لم يكن على تنسيق مع المسؤولين الايرانيين، بل ربما عبر عملاء نافذين أدّوا دورهم الكامل في لبنان وايران.
وفيما يعمد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى تشجيع الايرانيين على الانفصال عن النظام الحالي وتهيئة الارضية لقيام نظام جديد، تعتبر دول الخليج ان تحمّل عواقب عملية الاغتيال، واستهداف اراضيها بالصواريخ الايرانية، هو ضريبة "مقبولة" في مقابل الاطمئنان الى ان ايران لن تشكل خطراً عليها وعلى مصالحها، ولكن هل تملك اميركا واسرائيل والدول الخليجية ترف الوقت بانتظار تحقيق هذا الهدف؟ وهل فعلاً ستكون الضريبة "مقبولة" اذا ما قررت ايران رفع سقف التعاطي الى حدود اعلى وهي مطمئنة لجهة الدعم المعنوي الروسي والصيني وبقائه حتى اشعار آخر؟.
لا شك ان اغتيال خامنئي هو نقطة محورية في صورة الشرق الاوسط الجديد الذي يتم تسريع العمل عليه، ولكن كيفية التعاطي مع المكوّن الشيعي في الدول العربية والخليجية والعالم، هو الذي سيحكم على مدى نجاح او فشل كل العمليات التي سبقت اغتيال المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية والتي ستليه.
المصدر:
النشرة