سمعت شهادات أشخاص تركوا الإيمان المسيحي َّ لأنَّهم لم يستطيعوا قبول كيف أنَّ الربَّ يسوع المسيح يُهان ويُضرَب ويُبصَق عليه ويُجلَد ويُصلَب ويكون محتقَرًا ومرذولًا. واستنتجوا بذلك أنَّ الإيمان المسيحيَّ كلَّه على خطأ وذهبوا إلى من يعتبر يسوع نبيًّا ولم يُصلَب، وشُبِّه به على الصليب.
وأضافوا: أيُّ إله هذا يكون ضعيفًا لا يستطيع أن يدافع عن نفسه؟ وأيُّ أب يرضى بأن يكون ابنه مصلوبًا؟ فلا بدَّ إذًا من أن يكون المسيحيُّون على ضلال !
قد يكون هؤلاء الأشخاص بالمنطق الأرضيِّ على حقٍّ، ولكنَّ ما تمَّمه الربُّ يسوع على الأرض ليس تدبيرًا بشريًّا على الإطلاق، بل هو تدبير إلهيٌّ ينبع من فيض محبَّة الله لا من المنطق البشريِّ.
قبل كلِّ شيء يسوع ذهب إلى الصلب برجلَيْه وبمشيئة إلهيَّة ثالوثيَّة واحدة مع الله الآب والله الروح القدس، وثلاثتهم إله واحد، لهذا سمع صوت الآب في الظهور الإلهيِّ والتجلِّي يقول عن يسوع: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ»." (متى 3: 17 – 17: 5).
مسرَّة الآب والابن والروح القدس هي نفسها، لأنَّ مشيئة الثالوث القدُّوس واحدة، والمسرَّة الإلهيَّة هي المحبَّة اللامحدودة وخلاص الإنسان الَّذي خُلِق على صورة الله.
إذًا يسوع صُلِب طوعًا لا عنوة، وهذه أكبر شجاعة بأنَّه واجه الموت وجهًا لوجه، وغلبه وأباده وقام من بين الأموات وأعطانا باتِّحاده بنا الحياة الأبديَّة.
ومن يفهم الصلب ضعفًا فهو توقَّف عند الصليب ودخل إلى القبر ولم يخرج منه، وبالتالي لم يعبر إلى القيامة المجيدة . ونقول لمن أعثرهم الصلب: لو عرفتم قوَّة قيامة يسوع بسلطان ذاته الإلهيَّة لما تركتُم ربَّ المجد.
ونقول لهم أيضًا: كيف ليسوع أن يكون ضعيفًا وهو جعل من نظر إليه بتواضع، يترك كلَّ شيء ويتبعه مثل لونجينيوس الَّذي طعن يسوع على الصليب وعاد وصار مسيحيًّا واستشهد من أجل المسيح.
وكيف ليسوع أن يكون ضعيفًا وهو لم يتراجع خطوة واحدة أمام الصليب، وقال علانية في المحاكمة: "أنا هو" (مرقس 14: 62)، أي أنا الكائن، وهذا معناه «أنا يهوه» الإله المعطي الحياة والدائم الوجود ومصدره الذي عرّف موسى عن نفسه قبل أن يتجسَّد (خروج 3: 15)، و«يهوه» هو اسم الله في اللغة العبريَّة. وقال أيضًا لليهود: قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن، و "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ" (يوحنا 6: 51). وقد فهم اليهود أنَّ يسوع يعادل نفسه بالله فاعتبروه مجدِّفًا وحاكموه.
مقابل هذا كلِّه، هناك من يطلب قوَّة البطش والسيف رافضًا قوَّة يسوع الَّتي هي المحبَّة والغفران، وأسقط من حساباته أن مشيئة الربِّ هي: "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ." (1 تيموتاوس 2: 4).
مصدر الصورة
معرفة يسوع الحقَّ تتمُّ بقلب منسحق ماقت للكبرياء وليس بقلب مدّعي ويريد أن يملي على الله مقاييسه الأرضيَّة لا علاقة للَّه بها.
فهل ننسى أنَّنا المخلوقون ولسنا الخالق؟
وهل لأنَّ أحدًا لم يفهم التدبير الإلهيَّ، يرفضُه، ويريدُه على قياس فكره المحدود؟
المسيحيَّة وحدها تقول بالتجسُّد الإلهيِّ لأنَّه قمَّة المحبَّة، والمحبَّة هي لقاء وفداء، وليست فقط مناجاة عن بُعد دون لقيا.
وهل من قوَّة تستطيع أن تمنع إرادة الربِّ من أن يتجسَّد؟ طبعًا لا. إذًا كيف لأحد أن يقول له: «أنت لم تتجسَّد لأنَّني لم أفهم تجسُّدك؟».
وسبق وقلنا مرارًا ونعيد القول: ليس في المسيحيَّة تشريك لأنَّ الطبيعة الإلهيَّة لم تمتزج ولم تختلط في التجسُّد في شخص يسوع الواحد بالطبيعة البشريَّة ولم تلغ الواحدة الأخرى.
وجيِّد أن نعرف أنَّ كلمة ابن لا تعني حصرًا خليفة بشريَّة إذ نجد في القاموس مثلًا عبارات ابن النهار أو ابن الليل أو ابنة أفكاري وعبارات أخرى كثيرة.
كذلك تشير كلمة ابن إلى الخواصِّ (الجوهر - الطبيعة)، بمعنى أنَّ التفَّاحة هي ابنة شجرة التفَّاح، وكذلك الإنسان هو ابن الإنسان، ولا يمكن أبدًا القول إنَّ الإنسان ابن شجرة التفَّاحة أو العكس لأنَّهما من خواصٍّ مختلفة. وكلمة ابن الَّتي تطلق على يسوع تشير إلى طبيعة يسوع الإلهيَّة الَّتي هي للآب والروح القدس، وبتجسّده وولادته من مريم العذراء والدة الإله أصبح عنده أيضًا طبيعة بشريّة. لهذا نقول بأن يسوع عنده طبيعتان كاملتان في شخصه الواحد، إلهية وبشرية.
في الخلاصة، لنرتفع إلى المنطق الإلهيِّ ونغرف من محبَّة الرب لنا، عندها نلمس ونذوق ونقول ليسوع كما قال له بطرس الرسول : «يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلَامُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يوحنا 6: 68).
إلى الربِّ نطلب.
المصدر:
النشرة