آخر الأخبار

جنيف بين الضغط والردع: كيف تُدار المفاوضات الأميركية–الإيرانية تحت الظل الإسرائيلي؟

شارك

ليست المفاوضات الجارية في جنيف بين الولايات المتحدة و إيران مجرد جولة تقنية حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش. لكنّها تُدار في ظل توازنات ردع، ورسائل عسكرية، وضغوط متقاطعة، فيما تقف إسرائيل لاعبًا ثالثًا يحاول إعادة تشكيل سقف التفاوض من خارج الطاولة، عبر التشويش على المفاوضات الجارية. لكن ماذا تريد واشنطن أولا فعليًا؟.

إنّ إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب لا تدخل هذه الجولة بهدف إحياء اتفاق 2015 بصيغته القديمة، بل لإنتاج إطار أكثر تشددًا. والمقاربة الأميركية الحالية تعتمد على ثلاثة عناصر:

1-التفاوض تحت الضغط والعقوبات ليست ورقة ضغط موقتة، بل أداة تفاوض مستمرة. وكلما اقتربت جولة حاسمة من الاجتماعات، تُعلن حزمة جديدة. أمّا الهدف هو منع الجمهورية الاسلامية من تحسين شروطها التفاوضية عبر تقطيع الوقت.

2-ربط النووي بالإقليمي، وهذا ما بدا واضحًا بخلاف اتفاق الرئيس الأسبق باراك اوباما عام 2015، حيث تحاول الإدارة الحالية إدخال الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي ضمن سلّة واحدة، وهذا الامر مطلب اسرائيلي ضاغط على المفاوضات، وتعتبره طهران تجاوزًا للخطوط الحمراء.

3-منع الوصول إلى “عتبة نووية” وهذا ما لا تقوله واشنطن علنًا دائمًا، لكنها تتحرك على قاعدة أن طهران باتت قريبة تقنيًا من القدرة على إنتاج سلاح نووي خلال فترة قصيرة. لذلك تسعى إلى تمديد “زمن الاختراق” إلى ما يتجاوز عامًا كاملًا.

ما الذي تفعله ايران ثانيا؟

ان وزير خارجيتها عباس عرقجي يقود وفدًا يدخل جنيف من موقع معقّد إذ أن بلاده تحت ضغط اقتصادي شديد، واهتزاز أمني على وقع المظاهرات المعترضة، لكنها في الوقت نفسه تملك أوراق قوة. أمّا استراتيجية طهران تقوم على:

1-التفاوض من موقع الصمود وإبقاء مستوى التخصيب مرتفعًا نسبيًا كورقة ضغط.

2-رفض الربط الشامل مع الإصرار على أن الملف النووي منفصل عن الصواريخ والسياسات الإقليمية.

3-استخدام الوقت كسلاح لأنه كلما طال التفاوض، تعمّق البرنامج النووي، وهذا ما يرفع كلفة أي مواجهة عسكرية.

وعلى الرغم من التهديدات الاميركية يتحدث الرئيس الإيراني مسعود بازشكيان عن “أفق واعد”، لكن هذا التفاؤل ليس تنازلًا بقدر ما هو محاولة لتخفيف الضغوط الاقتصادية ومحاولة تهدئة الداخل.

أما البارز ثالثًا فهو إسرائيل… اللاعب الشرير من خارج الطاولة الّذي يحول عرقلة أي مجهود للسلام ويدفع باتجاه الحرب على ايران، وهنا تكمن العقدة الأكثر حساسية.

فحكومة بنيامين نتانياهو تنظر إلى أي تفاهم أميركي–إيراني بوصفه تهديدًا استراتيجيًا إذا لم يؤدِّ إلى تفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية. وإسرائيل لا تثق بالقيود الزمنية أو آليات التفتيش، بل ترى أن أي اتفاق يمنح طهران شرعية دولية موقتة.

ويتجلى الدور الإسرائيلي في ثلاثة مستويات:

1-الضغط السياسي في واشنطن عبر قنوات الكونغرس واللوبيات، وتسعى تل ابيب إلى رفع سقف الشروط الأميركية ومنع أي “اتفاق مرحلي” قد يُفسَّر كتنازل.

2-الرسائل الأمنية عبر تكثيف الضربات في سوريا وعلى لبنان جنوبا وشرقًا، ورفع مستوى الجهوزيّة العسكرية، وتسريب تقارير عن استعدادات لضربة محتملة، وكلها أدوات لإيصال رسالة مزدوجة: لإيران بأن أي اقتراب من العتبة النووية سيُقابل برد. ولواشنطن بعدم المراهنة على اتفاق ضعيف.

3-الحرب النفسية عبر تسريبات إعلامية متكررة حول “اقتراب إيران من القنبلة” أو “خيارات إسرائيل المستقلة” الّتي تهدف إلى التأثير في المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة، ودفع الإدارة إلى التشدد.

وهنا لا بد من السؤال هل تُشوش رابعًا إسرائيل فعلاً على المفاوضات؟

والجواب أن التشويش لا يعني إفشالًا مباشرًا، بل رفع كلفة التنازل. لأنّ واشنطن تدرك أن تجاهل المخاوف الإسرائيلية قد يفتح باب مواجهة إقليمية غير منضبطة. لذلك تضطر الإدارة إلى الموازنة بين: الحاجة إلى اتفاق يمنع التصعيد، وعدم إغضاب حليف استراتيجي يعتبر الملف الإيراني مسألة وجودية.

لكن في المقابل، لا تريد واشنطن أن تُدار سياستها الخارجية من تل أبيب. فالإدارة الحالية تسعى إلى احتواء إيران لا إلى حرب إقليميّة شاملة قد ترفع أسعار النفط عالميًا وتضرب الأسواق الأميركية.

إذا ما السيناريو الأكثر ترجيحًا رابعًا؟

تشير مصادر متعدد مطلّعة على اجواء المفاوضات الجارية بأن يكون المرجح ليس اتفاقًا شاملًا، ولا انهيارًا فوريًا. والأقرب هو اتفاق مرحلي محدود عبر تجميد نسبي للتخصيب مقابل تخفيف محدود للعقوبات. وإبقاء القضايا الكبرى معلّقة. مع استمرار الضغط الأميركي وتجنب المواجهة.

وبطبيعة الحال سند أن إسرائيل ستعارض أي صيغة لا تُفكك البرنامج بالكامل، لكنها قد تقبل أمرًا واقعًا إذا تضمن قيودًا صارمة ومراقبة دولية موسعة.

في النهاية، ان المفاوضات الجارية ليست بتقنية، بل لعبة أعصاب استراتيجية. لأنّ واشنطن تريد احتواءً طويل الأمد، وطهران تريد اعترافًا بشرعية برنامجها مقابل رفع الضغوط.، أما إسرائيل تريد صفر تخصيب أو على الأقل صفر قدرة على التحول العسكري.

أما النتيجة لن تُحسم في قاعة الاجتماعات فقط، بل في ميزان الردع الإقليمي، وحسابات الداخل الأميركي، وحسابات الأمن الإسرائيلي.

اليوم في جنيف لن يُحسم مصير الملف النووي، لكنه سيحدّد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو إدارة أزمة طويلة الأمد… أم نحو تصعيد مفتوح، فلننتظر لنرى ماذا سيخرج به لقاء اليوم!.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا