شهد لبنان تحولات جذرية في السنوات القليلة الماضية، ولم تعد بوصلته السياسية واضحة المعالم بفعل التدخلات الفاعلة التي فرضتها الدول الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية ، التي تنافس الجميع على التحكم بالمساحة اللبنانية، حليفاً كان (فرنسا، السعودية...) ام خصماً (ايران). هذا "التعطش" الاميركي للسيطرة على الجغرافيا اللبنانية، تجسد اخيراً في الحادثة التي طالت قاعدة حامات العسكرية وما اثارته من تداعيات وتساؤلات وتدخلات، إضافة الى الركيزة الأساسية المتمثلة ببناء السفارة الأميركية الضخمة في بيروت وهي من أكبر القواعد الدبلوماسية في العالم.كما لا يمكن التغاضي عن الكلام الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن المشكلة اللبنانية وإمكانية حلها وما قاله عن حزب الله ... كل هذه المعطيات تطرح تساؤلات مشروعة عن سبب هذا الاندفاع الأميركي في حين يعمد بعض المسؤولين الاميركيين الى التقليل من أهمية لبنان بالنسبة الى واشنطن!.
الحقيقة هي ان التصوّر الأميركي الراسخ بأن للبنان، رغم هشاشته السياسية والاقتصادية، يمكن ان يشكل دورًا محوريًا في معادلات الصراع الإقليمي. هذا التصوّر مبني على تصور قديم ( الشرق الأوسط الجديد)، لجعله ركيزة ردع وتأثير ضد منافسين إقليميين، وفي مقدمهم إيران ، وكذلك في مواجهة التهديدات الأمنية المتقاطعة بين إسرائيل وحلفائها من جهة، وخصوم واشنطن من جهة أخرى.
الوجود الأميركي في قاعدة حامات الجوية، وإن بدا محدودًا من الناحية الشكلية، إلا أنه يعكس تحوّلاً في طبيعة التعاون بين الولايات المتحدة والجيش اللبناني، وتفيد معلومات وتقارير إعلامية ان هذا الوجود مرتبط بسياق أمني حوّل القاعدة إلى نقطة دعم محتملة للأهداف الأميركية في المنطقة. هذه التطورات يتم النظر اليها على انها عنصر في سباق النفوذ بين واشنطن وطهران حول كيفية تشكّل موازين القوى على الأرض اللبنانية، خصوصاً مع ترجيحات بتوسيع الوجود العسكري الأميركي في دول الجوار، وتخفيضه في أماكن أخرى قريبة.
من جهة أخرى، مشروع السفارة الأميركية في بيروت يعتبر جزءاً من إعادة تموضع أكبر للامكانات الأميركية في الشرق الأوسط، وليس هناك من شك ان هذه المساحة الضخمة التي تحولت الى ارض أميركية ستضطلع بدور استخباراتي وعسكري في إدارة العلاقات والتحالفات في المنطقة. مثل هذا الحجم من البنية التحتية الدبلوماسية لا يمكن فهمه بالمعنى التقليدي، وقد يكون اكبر واثمن من المركز المعتمد في قبرص.
ويرى صانعو القرار الأميركي أن وجود بنية تحتية متينة في لبنان ليس ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز القدرة على الردع والاستخدام السريع للقوة عند الحاجة.
اما الأهم الذي يشدد عليه المحللون، فيتناول ملف الطاقة، وخصوصًا ما يرتبط باحتمالات استخراج النفط والغاز من البلوكات البحرية اللبنانية. فالادارات الأميركية عموماً، وإدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب خصوصاً، تعاني من ضعف كبير تجاه "الذهب الأسود"، وهذا سر وجودها الراسخ في الخليج وما قام به ترامب اخيراً في فنزويلا... والنظرة الأميركية في هذا المجال، تأتي في ظل السعي الغربي إلى تنويع المصادر وتقليص الاعتماد على خصوم استراتيجيين. وبالتالي، يكون الساحل اللبناني نقطة تماس بين الاقتصاد والأمن، حيث يصبح الاستثمار في الاستقرار شرطاًمسبقاً لأي نشاط استكشافي أو إنتاجي مستدام. وعليه، فإن تكثيف الحضور الأميركي، عبر منشآت دبلوماسية ضخمة وحضور عسكري ملموس، يمكن قراءته كجزء من بنية حماية طويلة الأمد لمصالح مستقبلية، حتى وإن لم تدخل بعد مرحلة الإنتاج التجاري الواسع.
هذا النمط ليس غريبًا في السياسة الأميركية، ولو انه في لبنان قد لا يكون مطابقًا بالكامل للمشهد في دول الخليج، نظرًا لاختلاف البنية السياسية وتعقيد التوازنات الداخلية، إلا أن المنطق الاستراتيجي متقارب: حضور أمني يوازي رهانات اقتصادية، واستعداد مبكر لتثبيت موطئ قدم قبل تبلور الوقائع النهائية في قطاع الطاقة.
فهل يمكن ان يتحول لبنان الى محمية أميركية، ويتحقق ما قاله السيناتور ليندساي غراهام من بعبدا العام الفائت، حول ابرام اتفاقية دفاع مشتركة بين البلدين (ولو انها لن تصب في خانة لبنان)؟!.
المصدر:
النشرة