كتب ابراهيم حيدر في" النهار": تأتي الضربات
الإسرائيلية التي نفذت في البقاع بحسب مصادر دبلوماسية ترجمة لقرار إسرائيلي بأن الحرب مع
إيران ستشمل
لبنان وتتركز ضد الحزب من شمال الليطاني إلى البقاع لتحييد الصواريخ، من دون أن يعني ذلك توغلاً برياً.
تسعى
إسرائيل وفق ما تكشف المصادر إلى إقناع
الولايات المتحدة بتوجيه ضربات على إيران تواكب المفاوضات، على أن تشمل حلفاء طهران أو أذرعها خصوصاً في لبنان، حيث تريد فرض وقائع نهائية جنوباً، وفي منطقة البقاع التي تعتبرها خزان قوة الحزب الصاروخية ومسيراته، فتحول لبنان مسرحاً لعملياتها وتبرر لواشنطن بأنها ضربات استباقية قد تتوسع عند انسداد المفاوضات، لشل قدرات الحزب.الأمر الذي دفع رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الطلب من
الأميركيين والفرنسيين ممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها ومنع التصعيد. يتخوف لبنان من تطورات دراماتيكية قد تأخذ المنطقة نحو الحرب، ما ينعكس سلباً على مؤتمر دعم الجيش في باريس، واشتداد الضغوط في ملف السلاح، يتعامل "
حزب الله " مع الأمور وكأن الحرب واقعة، إذ أن رفضه لتسليم السلاح شمال الليطاني، ومجاهرته باستعادة قوته يندرج ضمن الصراع بين إيران وأميركا. فالحزب يحتفظ بسلاحه للانخراط في الحرب إذا نشبت ووصلت إلى مرحلة تهدد النظام. ويسرب الإعلام
الإسرائيلي سيناريوهات عسكرية جديدة لجيش الاحتلال تتأرجح بين ضربات واسعة لمواقع الحزب شمال الليطاني، وبين عمليات برية محدودة، فيما يربط "حزب الله" مصيره بالوضع
الإيراني ، ويضع سلاحه تحت تصرفه، ويضع الدولة تحت الضغوط الخارجية، ما يعرّض البلد لشتى الأخطار والانهيارات.
وكتب حمزة الخنسا في" الاخبار": لا يهدأ أزيز طائرات الاستطلاع الإسرائيلية في سماء
بيروت وضاحيتها الجنوبية، وعلى طول الطرق المؤدية إلى البقاع والجنوب. وليس التحليق المكثف والمستفز لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية امتداداً عشوائياً للمعركة، بل هو في جوهره «هروب تكتيكي» من إخفاق بري لا يزال يلقي بظلاله على هيئة الأركان الإسرائيلية. فقد أثبتت معارك عام 2024 أن الجيش الإسرائيلي، رغم تفوقه التكنولوجي الهائل، لا يزال أسير «عقدة فينوغراد»، إذ تكررت أخطاء حرب تموز 2006 بحذافيرها مع أول التحام بري مباشر مع المقاومة.
هذا العجز البري ترافق مع ما وصفته مراكز أبحاث إسرائيلية بـ«العمى الاستخباراتي الميداني». فبحسب تحليلات متطابقة لخبراء عسكريين إسرائيليين، استهلك الجيش الإسرائيلي «بنك أهدافه البشري» خلال الأسابيع الأولى من الحرب. ومع غياب القيادات التاريخية للمقاومة وظهور قيادات ميدانية جديدة غير موثّقة في سجلات شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، وجد جيش العدو نفسه يقاتل «أشباحاً» بلا بيانات دقيقة. ولخّص الجنرال الاحتياط إسحاق بريك هذه المعضلة بالحديث عن «تآكل سلاح المشاة والاعتماد المرَضي المفرط على سلاح الجو». وأمام هذا الواقع، لم تجد القيادة الإسرائيلية بداً من «الهروب إلى السماء» لتعويض العجز الأرضي بقوة نارية غاشمة وخوارزميات مبرمجة.
وفي هذا الإطار، تتضح الوظيفة الأخطر لطائرات الاستطلاع، فهي تراقب دورة الحياة الاقتصادية، وترصد مسارات الشاحنات وتدفق الخدمات الأساسية، فيما تتولى الخوارزميات جمع هذه البيانات لتكوين «بنك أهداف اقتصادي». والهدف غير المعلن من هذا الرصد المكثف هو ممارسة «هندسة اجتماعية بالنار» لرفع كلفة الصمود الاجتماعي إلى مستويات غير محتملة قبل إطلاق الرصاصة الأولى. في المحصلة، لم تعد السماء
اللبنانية مجرد مسرح لانتهاكات تقليدية للسيادة، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لمعركة سيبرانية واستخباراتية معقدة. تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية على مدار الساعة لتحويل كل نبض على الأرض إلى سلسلة إحداثيات ضمن بنك أهداف جاهز.إلا أن هذا الاستعراض الجوي المتقدم لا يُعدّ بالضرورة دليلاً على تفوق مطلق، بل هو في جوهره «تعويض تكنولوجي» مباشر عن عجز بري مزمن. فكلما عجز سلاح المشاة وفشل الجندي الإسرائيلي في تثبيت السيطرة على الأرض، لجأت القيادة العسكرية إلى السماء، لتتحول «الشراهة الخوارزمية» في بناء بنك الأهداف إلى الوجه الآخر لانكسار الاندفاعة البرية.