آخر الأخبار

بين الإقامة والسياسة…هل بدأ الحريري إعادة التموضع؟

شارك
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتكاثر مؤشرات التباين بين الرياض وأبو ظبي، جاء قرار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري التوجّه إلى الإمارات كأول محطة خارجية له بعد إعلان عودته التدريجية إلى الحياة السياسية. هذه الخطوة لم يجرِ التعامل معها بوصفها مجرد تنقّل طبيعي لرجل يقيم أساساً في الإمارات، بل فُسِّرت في الأوساط السياسية على اعتبارها إشارة مدروسة أعادت فتح باب التساؤلات حول موقع " تيار المستقبل " في خارطة الاستقطاب الخليجي، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على التوازن اللبناني الهش.

ظاهرياً، يحرص الحريري على نفي أي اصطفاف بين دول الخليج ، وقد أكد في خطابه الأخير أن من يراهن على دفعه إلى هذا التموضع هو خاسر سلفاً. غير أن القراءة السياسية لا تتوقف عند مستوى التصريحات، بل تتجاوزها إلى توقيت الخطوات ومسارها. فاختيار الإمارات تحديداً كأول وجهة خارجية بعد إعلان العودة، في ظل الحديث المتزايد عن فتور سعودي–إماراتي، يمنح الزيارة بعداً سياسياً يصعب تجاهله، حتى لو لم يكن الحريري قد حسم تموضعه النهائي بعد.

في المقابل، تشير مصادر متابعة إلى أن الرجل لم يبلغ مرحلة التموضع الكامل خلف أبو ظبي، وأن مسار عودته السياسية لا يزال محكوماً بالتدرّج وترك هامش واضح للمناورة. فحتى الآن، تبدو الخطوة أقرب إلى إعادة تنشيط "تيار المستقبل" منها إلى عودة شخصية مكتملة الأركان، ولا سيما أن مركز إقامته ونشاطاته الأساسية ما زال متمركزاً في الإمارات. ويعزّز هذا الانطباع تكليف عمته النائبة بهية الحريري بمهام نائبة رئيس " التيار "، وهو ترتيب يوحي بأن الحريري يتقدم بحذر ويختبر الأرض السياسية تدريجياً، من دون أن يضع نفسه فوراً في واجهة الحضور التنفيذي الكامل.

مع ذلك، تبقى الإشكالية الأساسية في مكان الإقامة السياسية الفعلية. فالعودة إلى العمل السياسي اللبناني، بحكم التجربة، تتطلب حضوراً ميدانياً دائماً في الداخل، وليس إدارة المشهد من الخارج. ومن هنا، ترى مصادر مطلعة أن استمرار تمركز الحريري في الإمارات، بالتوازي مع إطلاق مسار العودة التدريجية، يطرح علامات استفهام حول مدى ثبات التحول المرتقب وحدوده الزمنية والسياسية.

ولعلّ إعلان الزيارة بحد ذاته، لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً في الحسابات السياسية. ومع ذلك، فإن الحملة الحادة التي رافقت توجه سعد الحريري إلى الإمارات تتجاهل حقيقة بديهية مفادها أن الرجل يقيم هناك أصلاً وتتركز فيها أعماله ونشاطاته. ومن هذه الزاوية، يصعب فصل الخطوة عن واقع إقامته الحالية، فيما يرى متابعون أنها تندرج أيضاً في إطار حرصه على إبقاء خطوطه مفتوحة مع مختلف العواصم الخليجية من دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع أي منها. وعليه، فإن الزيارة، في تقدير المصادر مطلعة، لا تكفي وحدها للقول إن التموضع النهائي قد حُسم حتى الآن.

بناء على ذلك، يصعب الجزم بأن زيارة الإمارات ستقلب موازين لبنان أو تعيد خلط أوراق "تيار المستقبل" في المدى القريب. فالمشهد لا يزال في مرحلة جسّ النبض، والحريري نفسه يتقدم بخطوات محسوبة لا توحي بحسم وشيك. إلا أن ما يمكن قوله بثقة هو أن الرجل بدأ فعلياً اختبار طريق العودة، وأن كل حركة يقوم بها ستبقى تحت المجهر الإقليمي، كما في الساحة الداخلية.

في المحصلة، لا يبدو أن التموضع النهائي قد رُسم بعد، ولا أن عودة الحريري الشخصية أصبحت أمراً واقعاً. لكن المؤكد أن مرحلة الضبابية انتهت، وأن مرحلة الإشارات الدقيقة قد بدأت، وهي مرحلة غالباً ما تسبق التحولات الأكبر في السياسة اللبنانية ، إن كُتب لها أن تكتمل.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا