آخر الأخبار

مساعٍ جدية لتأجيل الانتخابات: من يراهن على الوقت لإضعاف حزب الله؟

شارك

عادت همسة تأجيل الانتخابات إلى التداول كخيار سياسي يتقدّم بخجل في العلن ويكبر في الكواليس. المفارقة أنّ الخشية التي كانت تُساق سابقاً من "غضب الخارج" إذا ما طُرح التأجيل من الداخل، تنقلب اليوم إلى معادلة معاكسة بعد رصد إشارات مبطّنة من عواصم القرار توحي بأنّ الاستحقاق ليس أولوية، وأنّ "الظروف غير الناضجة" قد تبرّر التريّث. فمن يريد الانتخابات الآن، ومن يريدها مؤجّلة، ولماذا؟.

الرواية التي يروّج لها خصوم " حزب الله " تقول إن الثنائي الشيعي يدفع بقوّة نحو إجراء الانتخابات في موعدها لأنّ اللحظة الراهنة، بكل تناقضاتها، لا تزال أفضل من المجهول القريب. بحسب هذا المنطق، فإنّ المنطقة على عتبة تحوّلات حادة، والساحة اللبنانية ستكون إما أمام تصعيد إسرائيلي أوسع، وإما مسار دولي ضاغط سيؤدي إلى حصر السلاح خارج مؤسسات الدولة، بما يضع الحزب أمام اختبار داخلي غير مسبوق. وفي الاحتمالين، يعتقد أصحاب هذا الرأي أن مرور سنة أو سنتين كفيل بإعادة تشكيل المزاج العام داخل بيئة الحزب، وإضعاف سطوته السياسية، ما يجعل صناديق الاقتراع أكثر قسوة عليه لاحقاً.

هذا التحليل يفترض أن اللحظة الراهنة هي ذروّة القوة، أو على الأقل آخرها، وأن عامل الوقت يعمل ضد الحزب لا معه. لذلك، فإن الاستحقاق اليوم يقرأ كفرصة لتثبيت أحجام نيابية قبل أن تتبدل الموازين. أما التأجيل، وفق هذا المنطق، فهو رهان على تآكل تدريجي في النفوذ، بفعل العقوبات، الضغوط، وربما مواجهة إقليمية تربك الحسابات. فهل من يتخيل الانتخابات يظل وجود السلاح والنظام الإيراني هي نفسها بظل غيابهما عن المشهد؟.

لكن هذه المقاربة، رغم انتشارها، تبقى افتراضية في جوهرها. فهي تبني على احتمالات لا على وقائع مكتملة. التصعيد الإسرائيلي، إن حصل، ليس مضمون النتائج ولا الاتجاهات. أما مسار "حصر السلاح"، فهو عنوان سياسي يحتاج إلى توافقات.

في المقابل، ثمة من يرى أن الانتخابات في موعدها تمثل حاجة للدولة قبل أن تكون مصلحة لأيّ فريق. العهد الجديد، الساعي إلى ترميم الثقة بمؤسسات منهكة، لا يستطيع أن يبدأ مساره بوصمة تمديد، حتى لو جاء بقانون. فالتمديد، مهما كانت مبرراته، يبقى التفافاً على مبدأ الوكالة الشعبية، فالنائب يتلقى تفويضاً محدداً بأربع سنوات، وأي تجديد للتفويض من دون العودة إلى الناخبين يطرح سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون دستورياً، فكيف لمن وُكّل أن يمدّد لنفسه الوكالة من دون إذن صاحبها؟.

المفارقة أنّ الدعوة إلى التأجيل اليوم لا تأتي حصراً من قوى تخشى الخسارة المباشرة، بل من أطراف تعتقد أن الزمن يعمل لصالحها، وبالتالي هي لا تخشى الصندوق الآن بقدر ما تراهن على صندوقٍ أكثر ملاءمة غداً.

لا شكّ أن تحويل الاستحقاق الدستوري إلى رهينة انتظار التطورات الخارجية يكرّس منطق الدولة المعلقة، حيث يمكن لكل فريق عندئذ أن يجد سبباً للتأجيل، وهذا ما اعتدنا عليه بعد الخروج السوري من لبنان حيث تبين أن استحقاقاتنا الدستورية لا تساوي قيمة الورق الذي كُتبت عليه قواعدها وأسسها، فلا قيمة للاستحقاق ولا قيمة للمواعيد ولا قيمة للشعب.

الواقع أن إجراء الانتخابات في موعدها لا يحسم الصراع السياسي ولا ينهي الانقسام حول السلاح أو دور حزب الله أو شكل الدولة، لكنه يؤكد أن التداول الدوري للسلطة خط أحمر، أما التأجيل، حتى لو استند إلى حسابات سياسية، فيحمل رسالة معاكسة مفادها أن الموازين أهم من المواعيد، وأنّ مصلحة اللحظة تتقدم على النص ولو كان دستوراً.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا