لم تكن جلسة الحكومة الأخيرة عادية في دلالاتها، حتى لو بدت قراراتها موزعة بين ملفين مختلفين في الظاهر، إلا أنّها عكست "تناقضًا نافرًا" في المضمون. فهي مضت في خطة حصر السلاح كما كان متوقعًا، بعدما استمعت لعرض قيادة الجيش حول الأمر، وأعلنت البدء بالعمليات العسكرية في المنطقة الواقعة شمالي الليطاني، حتى إنّها ذهبت لتحديد "مهلة" لإنجاز المهمّة، تتراوح بين أربعة وثمانية أشهر، رغم اعتراضات بعض القوى، وعلى رأسها " حزب الله ".
وإذا كان هذا الأمر متوقّعًا، في سياق محاولة الدولة إثبات جدارتها وسيادتها أمام المجتمع الدولي، كما محاولتها محاكاتها شروط مؤتمر باريس لدعم الجيش، الذي يرى كثيرون أنّ مصيره "مرهون" بمصير الخطة والسلاح، فإنّ ما خالف سقف التوقعات كان أن تقدم الحكومة في الجلسة نفسها، على تفجير لغم اجتماعي داخلي عبر رفع الضريبة على القيمة المضافة وزيادة رسوم البنزين، وفي توقيتٍ حسّاس عشية شهر رمضان، وفي ظلّ قدرة شرائية منهارة أصلاً.
وبين حصر السلاح ورفع الضرائب، بدت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة كأنها محاولة لرسم "بروفايل" جديد للسلطة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، فالحكومة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، اختارت سلوك مسارين متوازيين شكلاً ومتناقضين مضمونًا: مسار "سيادي" يضع جدولاً زمنيًا لحصر السلاح شمال الليطاني استجابةً لضغوط خارجية، ومسار "جبائي" يفرض ضرائب قاسية على المواطنين لتأمين استمرارية المرفق العام.
بكلام آخر، اختارت الحكومة أن تقدّم إشارة سياسية واضحة إلى الخارج مفادها أنها مستعدة للدخول في مسار تنفيذي طال انتظاره في ملف السلاح، في مقابل تحميل الداخل كلفة مالية مباشرة وسريعة. وهنا يصبح السؤال أبعد من تقويم قرارين منفصلين، ليتحوّل إلى مساءلة المنطق الذي يجمع بينهما: أيُّ استقرار يُقدَّم أولًا، الأمني-السياسي أم الاجتماعي-المعيشي؟ وهل ينجح الأمن الاستراتيجي إذا كان الأمن الاجتماعي معدومًا؟.
عمليًا، لا يمكن قراءة الجدول الزمني لحصر السلاح شمال الليطاني بمعزل عن المناخ الدولي الضاغط منذ أشهر. فالمقاربات الخارجية للبنان باتت أكثر صراحة في ربط أي دعم سياسي أو مالي بمدى التقدّم في ملف بسط سلطة الدولة، حتى إنّ مؤتمر باريس المنتظَر الشهر المقبل، وَُضِع علنًا في البازار على أساس أنّ أداء الحكومة في ملف السلاح تحديدًا، هو الذي سيحسم مصير المؤتمر، وشكل وطبيعة المساعدات التي يمكن أن تقدّم للجيش وقوات الأمن.
وفي هذا السياق، يشكّل الإعلان عن إطار زمني محدد لإنجاز مهمّة حصر السلاح التي رفع "العهد" شعارًا له منذ انطلاقته محاولة لإظهار الجدية، ولو أن التنفيذ الفعلي سيخضع لتعقيدات ميدانية وسياسية معروفة. لكنّ الأهمّ يبقى بحسب ما يقول العارفون، أنّ تحديد مهلة تمتد حتى ثمانية أشهر يمنح الحكومة هامش حركة، بحيث لا تدخل في صدام فوري، لكن تضع نفسها في الوقت نفسه ضمن مسار قابل للقياس والمتابعة.
بهذه الخطوة، تسعى السلطة التنفيذية إلى تثبيت موقعها كشريك يمكن التعاطي معه دوليًا، خصوصًا في ظل خشية متزايدة من انزلاق إقليمي قد يعيد لبنان إلى دائرة التصنيف كمنطقة رخوة أمنيًا. وبالتالي، فإنّ القرار هنا ليس أمنيًا فحسب، بل سياسي-دبلوماسي بامتياز. إنه رسالة طمأنة موجهة بالدرجة الأولى إلى عواصم القرار، ربما لتثبيت أوراق الاعتماد، أكثر مما هو خطاب موجه إلى الداخل، الذي يتعامل مع الملف من زاوية مختلفة وأكثر تعقيدًا.
في المقابل، جاء قرار رفع ضريبة القيمة المضافة (TVA) وزيادة الرسوم على المحروقات ليعكس عجز السلطة عن ابتكار حلول بنيوية حقيقية وتفضيلها المعالجة المحاسبية على الذهاب إلى إقرار سياسات اقتصادية متكاملة. هكذا، وبدلاً من الإصلاح الضريبي التصاعدي أو لجم الهدر، لجأت الحكومة إلى أسهل وأسرع أدوات الجباية، ألا وهي جيوب المستهلكين، أو ما تعرف بـ"المنطقة الآمنة" محاسبيًا لسدّ فجوة مالية متفاقمة.
غير أنّ هذه الأدوات، وإن كانت سريعة ومباشرة، إلا أنها أيضًا الأكثر إيلامًا اجتماعيًا، لأنها تضرب الاستهلاك اليومي، وتطال الشرائح الأوسع من دون تمييز فعلي بين القادر وغير القادرة. ولعلّ المشكلة هنا لا تكمن تكمن فقط في توقيت القرار، عشية شهر رمضان الذي يرتفع فيه الإنفاق الأسري بطبيعته، بل في غياب أي خطاب سياسي مواكب يشرح للبنانيين أين ستذهب هذه العائدات، وكيف ستنعكس خدمات ملموسة.
بهذا المعنى، تعود الدولة إلى الخيار الأسهل: زيادة الرسوم بدل خوض معركة إصلاح بنيوي طويل النفس، فلا إصلاح ضريبي تصاعدي، ولا إجراءات معلنة لتخفيف العبء عن الفئات الأكثر هشاشة، ولا حتى سردية سياسية تشرح للناس لماذا لا بديل عن هذه الخطوة. والنتيجة أن المواطن يتلقى رسالة مزدوجة، فالسلطة تتحرك بسرعة عندما يتعلق الأمر بإرضاء الخارج أو سد العجز، لكنها تتباطأ حين يتعلق الأمر بإعادة توزيع عادلة أو مكافحة الهدر.
استنادًا إلى ما تقدّم، يمكن القول إن السلطة تتعامل مع الاقتصاد كأداة "تكيّف" مع الأزمة لا كخطة "إنقاذ" منها، مما يعزز الانطباع بأن المواطن هو دائماً الحلقة الأضعف في سلسلة التمويل الحكومي. لكن، في قراءة أعمق، يمكن النظر إلى ما جرى كنوع من المقايضة الضمنية بين الأمن والعدالة الاجتماعية، فالسلطة تحاول شراء استقرار أمني-سياسي يرضي الخارج، في مقابل انكماش اجتماعي وقهر معيشي يُفرض على الداخل.
قد تفترض السلطة، وهي تدخل في مسار حساس يتعلق بملف السلاح، أن الأولوية تكمن في تجنب العزلة الدولية أو الضغوط المتزايدة، حتى لو كان الثمن احتقانًا داخليًا يمكن احتواؤه. لكن هذا الرهان يقوم على فرضية قابلة للنقاش، وهي أن الشارع اللبناني مستنزف إلى درجة العجز عن التحرك الواسع. لكن ذلك قد لا يكون دقيقًا، فصحيح أنّ الشارع افتقد الزخم، وأنّ القوى النقابية والمدنية تبدو مفككة، غير أن الضغوط المعيشية اليوم أشد قسوة، والاحتقان يتراكم.
أكثر من ذلك، فإنّ الحكومات التي تخوض مسارات أمنية حساسة (مثل نزع أو حصر السلاح) تحتاج تاريخيًا، إلى "حاضنة شعبية" قوية وإلى حد أدنى من الهدنة الاجتماعية لتمرير قراراتها. لكن الحكومة اللبنانية تفعل العكس تمامًا، فهي تستفز الشارع بضرائب قاسية عشية شهر رمضان، مراهنةً على أن اللبنانيين استُنزفوا إلى حد العجز عن الاعتراض. إلا أنّ المؤشرات الأولى لتحركات ضد ما وُصف بـ"سياسات الجباية العمياء" توحي بأن الغضب موجود، حتى لو لم يتخذ بعد شكل موجة احتجاجية عارمة.
لا تكمن المعضلة الكبرى في الاحتجاجات الآنية فحسب، بل في فالتراكم الخطير لفقدان الثقة. فعندما يترسخ في وعي المواطن أن دولته لا تتحرك بجدية إلا عندما يطلب الخارج، ولا تتقشف إلا عندما يتعلق الأمر بلقمة عيشه، فإن "العقد الاجتماعي" ينفسخ تمامًا.
ولذلك، فإنّ الرهان الحقيقي للحكومة ليس في قدرتها على إصدار قرارات، بل في قدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين الداخل والخارج، لأنّ الشرعية الدولية ، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تحل محل شرعية اجتماعية حدّها الأدنى شعور الناس بقدر من العدالة والإنصاف.
فإذا بدا أن السلطة تتحرك وفق إيقاع الضغوط الخارجية أكثر مما تتحرك وفق إيقاع حاجات المجتمع، فإنها تضع نفسها في موقع هش سياسيًا، حتى لو ربحت نقاطًا مرحلية في حسابات الخارج.
والعكس صحيح أيضًا، بمعنى أنّ تجاهل الاعتبارات الدولية بالكامل ليس خيارًا متاحًا في بلد يرزح تحت أزمة مالية عميقة ويعتمد على شبكة أمان خارجية. ومن هنا، تبدو جلسة مجلس الوزراء الأخيرة أشبه بمرآة لمرحلة كاملة: سلطة تحاول إدارة المخاطر الكبرى في بيئة إقليمية ملتهبة، لكنها تفعل ذلك بأدوات مالية تقليدية تُحمّل المجتمع كلفة إضافية.
هو باختصار "انفصام" كما يراه البعض، يضعنا أمام تساؤل بنيوي: هل يمكن لدولة أن تبني شرعيتها على اعتراف العواصم الكبرى ، بينما يتآكل رصيدها الأخلاقي والمعيشي أمام ناسها؟
المصدر:
النشرة