يوم الأثنين بدأ المسيحيون اللبنانيون، الذين يتبعون التقويم
الغربي ، صومهم الأربعيني، والذي بدأ بعرس وينتهي بالقيامة. وأمس بدأ
المسلمون اللبنانيون صيامهم المبارك، الذي يعمّ فيه الخير وتكثر فيه أعمال
الرحمة . وفي 23 من الشهر الحالي يبدأ المسيحيون اللبنانيون، الذين يتبعون التقويم الشرقي صومهم بروح من التقوى المشفوعة بالصلوات والابتهالات.
هي ميزة نادرة تجمع بين اللبنانيين المنتمين إلى طوائف متعددة، ولا نجدها بهذا الوضوح والتجلي لا في الدول
المسيحية الغربية، ولا في
الدول الإسلامية في المشرق والمغرب العربيين. هو البلد الوحيد، الذي وصفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني بأنه وطن الرسالة، الذي يسمع فيه
المسلم قرع أجراس الكنائس، ويسمع فيه المسيحي آذان الصبح والظهر والمساء. هو البلد الوحيد، الذي يحفظ المسلم آيات من الانجيل المقدس، والذي يردّد فيه المسيحي آيات من القرآن
الكريم . فما يجمعه الصوم والصيام، مشفوعين بالصلاة والابتهالات والدعاءات وأعمال الخير والبرّ والرحمة، بين اللبنانيين لم يستطع أن يفعله "الأرضيون" (السياسيون)، وإن كان ما بين هؤلاء اللبنانيين، أفقيًا، وحدة حال أكبر بكثير مما يباعد بينهم. وهذا الأمر واضح في كل المراحل التي عاشها اللبنانيون في تاريخهم الحديث، فكان بينهم "خبز وملح"، وكان بينهم زيجات مختلطة، وكان بينهم مشتركات كثيرة في العادات والتقاليد، وكان بينهم غيرة بعضهم على البعض الآخر. وكان كل لبناني، إلى أي طائفة انتمى، يشعر بأنه غير مستفرد من أي خطر خارجي عندما كانت تربطه بابن بلده روابط لم تهتزّ إلا عندما نخرت "السوسة" الخارجية مفاصله، وهدّت كيانه وزعزّعت ايمانه وتوسعت أوهامه.
ومع ذلك، وكلما اشتدّت العواصف، يعود اللبناني إلى هذه الجذور الروحية العميقة التي تعلّمه أن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل امتناع عن الكراهية، وأن الصلاة ليست طقسًا عابرًا، بل هو جسر خفي يربط القلوب ببعضها البعض قبل أن يربطها بالسماء. في هذه المساحات المشتركة تحديدًا، يكتشف اللبنانيون أنهم أقرب إلى بعضهم البعض أكثر مما يتخيّلون، وأن ما يجمعهم ليس ظرفًا عابرًا، بل يمثل تكوينًا وجدانيًا متراكمًا عبر قرون.
لقد فهم هذا السرّ باكرًا البابا يوحنا بولس الثاني عندما رأى في
لبنان أكثر من جغرافيا، وأكثر من نظام سياسي هشّ؛ رآه فكرة حيّة تقول إن التنوّع لا يعني الانقسام، بل يمكن أن يكون صيغة غنى روحي وإنساني. فحين يصوم المسلم والمسيحي في توقيتٍ متقارب، وحين تتشابه وجوه الأمهات وهنّ يهيئن موائد الإفطار أو موائد الصوم، وحين ترتفع الأدعية في المساجد والكنائس من أجل الهمّ نفسه والوجع نفسه، يصبح الوطن مساحة صلاة كبيرة، لا مجرّد ساحة تنازع.
من هنا، فإن هذا التزامن الروحي ليس حدثًا رمزيًا بحدّ ذاته في روزنامة الطوائف، بل تذكير سنوي بأن لبنان ما زال قادرًا على أن يكون نموذجًا، حتى ولو أرهقته السياسة وأثقلته الأزمات. ففي عمق هذا الشعب ذاكرة مشتركة تقول إن الجوع إلى الله يوحّد أكثر مما تفرّق المصالح، وإن الرحمة حين تتعمّم في شهر الصيام والصوم، تكشف بأن اللبنانيين، على رغم كل شيء، ما زالوا أبناء مدرسة واحدة، وهي مدرسة الرجاء.
ولعلّ أجمل ما في هذه اللحظة المتكرّرة كل عام، أنها تعيد ترتيب البوصلة الداخلية لكل لبناني. فقبل أن يكون ابن طائفة، هو ابن وجع واحد وأمل واحد. وقبل أن يكون رقمًا في معادلة سياسية، هو إنسان يعرف أن خلاصه لا يكون إلا مع الآخر لا ضده. وهكذا يبقى الصوم والصيام، في
هذا البلد الصغير، شهادة حيّة على أن ما يجمع اللبنانيين أعمق بكثير من كل ما حاولت السنوات أن تزرعه بينهم من شقوق.
في زمنٍ تتكاثر فيه محاولات التفريق وتُستثمر فيه الهواجس وتُستحضر فيه الغرائز، يبقى هذا التلاقي الروحي بين صومٍ وصيام أقوى من كل خطاب انقسام. لأن اللبناني، حين يجوع بإرادته لله، لا يمكن أن يُشبَع بالكراهية. وحين يرفع يديه بالدعاء، لا يمكن أن يمدّهما على أخيه. هذه الحقيقة البسيطة هي التي أفشلت كل مشاريع التفتيت، وستفشل ما يأتي بعدها. فلبنان لم يُبنَ على توازن السلاح ولا على صفقات السياسة، بل على توازن القلوب. وكل من يراهن على كسر هذه المعادلة إنما يراهن على المستحيل. لأن شعبًا يجتمع على الصلاة، مهما اختلفت طقوسها، لا يمكن أن يفترق على الأرض.