نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا للصحفي الاميركي توماس فريدمان اتهم فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأنه يعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب واليهود الأمريكيين كالحمقى.
واوضح فريدمان “دعونا نتوقف عن المراوغة: حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ، تستهزئ بأميركا وتوهمها بأن الأمور على ما يرام. إنها ليست كذلك، نتنياهو يستهزئ بالرئيس ترامب واليهود الأميركيين على حد سواء. وإذا سمحت له الولايات المتحدة بذلك، فسنكون نحن المغفلين”.
واضاف أن نتنياهو لا يزال يركز اهتمامه على التهديد الصاروخي والنووي ال إيران ي، الذي، وإن كان قد تراجع، إلا أنه لا يزال قائما وسيتعين التعامل معه دبلوماسياً أو عسكريا، فإنه يهدد بشكلٍ جوهري مصالح الولايات المتحدة الأوسع في الشرق الأوسط ، فضلا عن أمن اليهود في جميع أنحاء العالم.
وتساءل: ” كيف ذلك؟ لا أستطيع أن أُعبر عن الأمر بإيجاز أكثر مما فعل إيهود أولمرت ، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق”، في إشارة لمقال كتبه أولمرت هذا الشهر في صحيفة “هآرتس” قال فيه: “هناك جهد عنيف وإجرامي جار لتطهير مناطق في الضفة الغربية عرقيا. عصابات من المستوطنين المسلحين تضطهد الفلسطينيين المقيمين هناك وتؤذيهم وتجرحهم، بل وتقتلهم. وتشمل أعمال العنف حرق بساتين الزيتون والمنازل والسيارات، واقتحام المنازل، والاعتداء الجسدي على الناس”.
وتابع: “يهاجم مثيرو الشغب، الإرهابيون اليهود، الفلسطينيين بالكراهية والعنف بهدف واحد: إجبارهم على الفرار من ديارهم، كل هذا يفعل على أمل أن تهيأ الأرض بعد ذلك للاستيطان اليهودي، في سبيل تحقيق حلم ضم جميع الأراضي”.
واوضح فريدمان إن جهود إسرائيل المتسارعة لضم الضفة الغربية والبقاء الدائم في غزة وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم السياسية في كلا المنطقتين، تعد تهورا أخلاقيا وجنونا ديموغرافيا، تماما كما لو ضمت الولايات المتحدة المكسيك. وقال إنه “لو كان الإسرائيليون وحدهم هم من سيتضررون من هذا الوهم المجنون بأن سبعة ملايين يهودي إسرائيلي قادرون على السيطرة على سبعة ملايين فلسطيني عربي إلى الأبد، لربما قلت إن قادة إسرائيل، إن أرادوا الانتحار الوطني، فلا حيلة لي في منعهم”. ولكنه حذر من أن الأثار لن تقتصر على إسرائيل وحدها. وأكد أن هذا السعي سيجعل إسرائيل اليوم نسخة طبق الأصل من جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، وستكون له تداعيات وخيمة على المصالح الأمريكية ومصالح وأمن اليهود في جميع أنحاء العالم.
وأكد على أنه إذا استمرت حكومة نتنياهو على هذا النهج، فسوف تمزق المؤسسات اليهودية في كل مكان، حيث سيجبر أفراد الشتات اليهودي على الاختيار بين الوقوف مع إسرائيل أو ضدها، في ظل نظام أشبه بنظام الفصل العنصري. وسيؤدي ذلك أيضا إلى تسريع وتيرة النزعة التي بدأت مع تدمير إسرائيل لغزة، حيث يتزايد عدد الشباب الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة الذين ينقلبون على إسرائيل، وعلى اليهود عموما في بعض الأحيان.
وأشار إلى استطلاع رأي أجراه معهد فهم سياسات الشرق الأوسط، بالتعاون مع مؤسسة “يوغوف” في تشرين الثاني، ووجد أن 51% من الناخبين الجمهوريين دون سن 45 عاما يفضلون دعم مرشح في الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2028 يؤيد خفض عمليات نقل الأسلحة الممولة من دافعي الضرائب إلى إسرائيل. بينما فضلت نسبة 27% فقط مرشحا يزيد أو يحافظ على إمدادات الأسلحة. ويواجه المرشحون الديمقراطيون اليوم، الذين لا يصفون حرب إسرائيل على غزة بالإبادة الجماعية، معارضة شديدة من الناخبين الشباب التقدميين.
وذكر فريدمان إن النائبة الديمقراطية عن نيويورك الكسندرا أوكاسيو – كورتيز، سئلت الأسبوع الماضي أثناء مشاركتها في مؤتمر ميونخ الأمني، عما إذا كانت تعتقد أن “على المرشح الديمقراطي للرئاسة في انتخابات 2028 إعادة النظر في المساعدات العسكرية لإسرائيل”. فأجابت: “أعتقد شخصيا أن فكرة تقديم مساعدات غير مشروطة، بغض النظر عن أي شيء، غير منطقية. أعتقد أنها ساهمت في وقوع إبادة جماعية في غزة”.
وشدد فريدمان على أن نتنياهو استغل ترامب وكذلك جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بقيادة لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك" والعديد من القادة اليهود الأمريكيين المزعومين، ونجح في تحويل تركيزهم إلى إيران وتجاهل حقيقة أن كل ما يفعله في غزة والضفة الغربية وداخل إسرائيل سيؤدي إلى توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين في الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر والأردن والسعودية، والإمارات، وتركيا، وقطر.
ويقول فريدمان إن إيران لا تزال تشكل تهديدا نوويا، وإن كان أقل حدة، بعد الغارات الجوية الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت منشآتها لتخصيب اليورانيوم وصواريخها الباليستية في حزيران. وقد أعادت إيران بالفعل بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية التي يمكن أن تلحق أضرارا مادية حقيقية بإسرائيل في حال استئناف الحرب. إلا أن التركيز حصريا على التهديد الخارجي من إيران يتجاهل التهديد الداخلي الذي تمثله حكومة نتنياهو لإسرائيل ومكانتها كدولة ديمقراطية. وقد انخرط نتنياهو على مدى ثلاث سنوات، حتى خلال حرب غزة، في مسعى لتنفيذ انقلاب قضائي من شأنه أن يقضي فعليا على مبدأ الفصل بين السلطات في إسرائيل، وهو المبدأ الذي يمكن المحكمة العليا من محاسبة تجاوزات الحزب الحاكم. وتساءل: هل إيران مسؤولة عن ذلك؟ ليجيب كلا.
وأضاف أن إيران لا علاقة لها بإقصاء المدعية العامة الإسرائيلية غالي بهاراف ميارا؟ بل نتنياهو هو المسؤول. فقد تم استهدافها لأنها حاولت مع المحكمة العليا وقف اعتداءات الحكومة على القانون ورفضت إسقاط محاكمة نتنياهو بتهم الفساد ومنعت جهود نتنياهو لتسييس التعيينات في الخدمة المدنية والإعفاء الشامل من الخدمة العسكرية لليهود المتشددين الذين يبقونه في السلطة.
وتساءل: هل عرقلت إيران تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في الفشل الذريع للاستخبارات والقيادة قبل هجمات حماس في 7 تشرين الأول؟ كلا، لكن نتنياهو فعل ذلك. فلم تحدث الهجمات في عهد نتنياهو فحسب، بل كان من الواضح أنها ناتجة جزئيا عن مساعيه لإثبات قدرة إسرائيل على إحلال السلام مع الدول العربية دون إحلال السلام مع الفلسطينيين.
ويعتقد فريدمان أن إسرائيل بعد الضربات القوية التي وجهتها لإيران و حزب الله وحماس، كانت قادرة على الإنخرط في مفاوضات لحل الدولتين مع السلطة الفلسطينية بشروط معقولة وهو ما كان سيمهد الطريق للسلام بين إسرائيل والسعودية ولبنان وسوريا والعراق وعزل إيران. وستخلق التكنولوجيا الإسرائيلية والطاقة العربية تعاونا مذهلا لعصر الذكاء الاصطناعي، وهو ما سيكون مكسبا هائلا للمصالح الأميركية.
المصدر:
النشرة