تتجه الانتخابات النيابية نحو مزيد من التعقيد، في ظل اشتباك سياسي وقانوني متصاعد حول ملف اقتراع المغتربين، ما يجعل الاستحقاق مهددا بالتأجيل أو التعطيل، وسط غياب أي أفق واضح للحل. فالقانون الانتخابي النافذ ينص على تخصيص ستة مقاعد للمغتربين، على أن تصدر المراسيم التطبيقية التي تحدد توزيعها، غير أن الحكومة امتنعت عن إصدار هذه المراسيم، واتجهت بدلا من ذلك إلى تقديم مشروع قانون يقضي بانتخاب المغتربين ضمن الدوائر الداخلية، أي ضمن مجلس النواب المؤلف من 128 نائبا.
تبرر الحكومة موقفها بأن توزيع المقاعد وفق الدستور هو من صلاحية المجلس النيابي، ولا يجوز تفويض هذه الصلاحية للسلطة التنفيذية. وقد فتح هذا التوجه نقاشا دستوريا واسعا حول ما إذا كان يحق للمجلس النيابي التنازل عن اختصاصه التشريعي للحكومة، أو أن ذلك يشكل مخالفة.
في المقابل، يرفض رئيس المجلس النيابي
نبيه بري الدعوة إلى جلسة تشريعية لمناقشة مشروع الحكومة، على قاعدة أن الأخيرة لم تقم بواجبها في تنفيذ القانون النافذ وإصدار المراسيم المطلوبة. وبذلك، دخل الطرفان في حلقة مفرغة، إذ تحمل الحكومة المجلس مسؤولية التعطيل، فيما يحمل المجلس الحكومة مسؤولية الإخلال بالتزاماتها، من دون أن يلوح في الأفق أي حل عملي.
ورغم هذا الاشتباك، باشرت
وزارة الداخلية باتخاذ الإجراءات المرتبطة بالعملية
الانتخابية ، من دعوة الهيئات الناخبة إلى فتح باب الترشيحات، إلا أن هذه الخطوات لم تسهم في تبديد الغموض، بل زادت من تعقيد المشهد القانوني، ولا سيما في ما يتعلق بحق المغتربين في الاقتراع. ففي حال تعذر انتخاب النواب الستة المخصصين لهم، يبرز سؤال جوهري حول حقهم في المشاركة في انتخاب كامل أعضاء المجلس النيابي.
ينص القانون الحالي على أن تسجيل المغترب على لوائح الاقتراع في الخارج يؤدي إلى شطبه من اللوائح المحلية، ما يمنعه من التصويت للـ128 نائبًا حتى لو حضر شخصيًا إلى
لبنان . وهذا الواقع يضع شريحة واسعة من اللبنانيين في الخارج أمام مأزق قانوني يهدد حقهم الدستوري في المشاركة السياسية، في حال لم يتم التوصل إلى صيغة واضحة لتطبيق النصوص النافذة.
في هذا السياق، أصدرت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل فتوى تجيز للمغتربين المشاركة في انتخاب الـ128 نائبا عند تعذّر انتخاب ممثليهم الستة، في مخالفة صريحة لنص القانون. وقد زادت هذه الفتوى من إرباك المشهد، ودفعت الرئيس
بري إلى اتهام الهيئة بمخالفة القانون بدل السهر على تطبيقه، معتبرًا أن ذلك يفتح الباب أمام فوضى دستورية وتشريعية.
في ضوء هذه المعطيات، تستبعد أوساط نيابية مطلعة أن تمضي الحكومة في استكمال الإجراءات التي تفضي إلى إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، خصوصا أن ذلك سيعني مواجهة سياسية حادة مع رئيس المجلس النيابي
نبيه بري، بما تحمله من تداعيات على الاستقرار السياسي والمؤسساتي. كما ترجّح هذه الأوساط عدم القدرة على إجراء الانتخابات حتى بعد تمديد تقني محتمل خلال الصيف المقبل، في ظل غياب التوافق على مخارج قانونية واضحة.
ورغم تأكيد القوى والأحزاب السياسية تمسكها بإجراء الانتخابات في موعدها، إلا أن هذا الخطاب يبدو، في جوهره، غطاء لخلافات عميقة حول مدة التمديد وشكله ومخرجه المناسب. ويُلاحظ في هذا السياق غياب مواقف دولية معلنة تضغط في اتجاه احترام المهل الدستورية، إضافة إلى تباطؤ الأحزاب في تقديم طلبات ترشيح مرشحيها، ما يوحي بأن الجميع ينتظر لحظة التسوية حول قانون تمديد جديد للمجلس النيابي.
وسط هذا المشهد المأزوم، يبدو رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في موقف محرج وبالغ الصعوبة حيال خيار التمديد، لما يحمله من تناقض واضح مع التعهدات التي وردت في خطاب القسم، والتي شددت على احترام الدستور وتجديد الحياة السياسية عبر الانتخابات.
وعليه، تكشف أزمة انتخابات المغتربين، في جوهرها، حجم الخلل البنيوي في إدارة الاستحقاقات الدستورية في لبنان، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع الثغرات القانونية لتفرغ العملية
الديمقراطية من مضمونها. وفي ظل استمرار الاشتباك بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وغياب إرادة واضحة للحل، يبقى شبح التمديد مخيما على المشهد السياسي.