على الرغم من كل الأجواء التصعيدية التي سبقت جلسة الحكومة حول المناقشات المتصلة بعرض قائد الجيش للمرحلة الثانية من تنفيذ خطته شمال نهر الليطاني، مرّت الجلسة بهدوء ولم يخرج النقاش عن السقف، وجاء القرار وفق التوقعات المتداولة على نطاق ضيق على مستوى رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والحكومة.
وكتبت سابين عويس في" النهار": قبل أيام قليلة من موعد
مجلس الوزراء ، تركزت الاتصالات على سحب فتيل أي تصعيد محتمل، على قاعدة أن ما يقدمه قائد الجيش لا يعدو كونه تقريراً شهرياً عن تقدم العمل في الخطة، وأن القرار السياسي الذي صدر عن مجلس الوزراء يغطي خطة الجيش كاملة بكل مراحلها ولا يقتصر على مرحلة دون أخرى، على نحو يستدعي عند انتهاء كل مرحلة اتخاذ قرار جديد بتكليف الجيش تنفيذ المرحلة اللاحقة. وكشفت المعلومات أن الجيش بدأ أعمال البحث عن الأسلحة والمخازن في منطقة شمال الليطاني منذ أشهر، وبالتالي فإن الحديث عن فصل بين مرحلة أولى ومرحلة ثانية ليس دقيقاً، لأن الجيش عندما يتبلغ بوجود أسلحة أو ذخائر أو مخازن في مكان ما، يتوجه إليه بقطع النظر عما إذا كان ضمن المرحلة الأولى من خطته أو لا.
وعليه، فإن الجيش كان بدأ العمل بالمرحلة الثانية قبل أن يضع خطة لذلك من خلال أعمال الاحتواء الحاصلة منذ عام تقريباً في شمال الليطاني، حيث تجري مصادرة أسلحة وذخائر ومخازن ومستودعات، من دون أي مواجهات مع "
حزب الله ". وقد حرص رئيس الجمهورية من خلال اتصالاته التي سبقت الجلسة مع رئيسي المجلس والحكومة على تلافي أي أجواء تصعيدية على طاولة الحكومة، من خلال التفاهم بين الرؤساء على عدم الدفع نحو التصعيد بما يعطي إشارة سلبية إلى الخارج، ولا سيما الدول المشاركة في مؤتمر باريس، حول التزام الحكومة تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الجيش.
أما في مسألة احتواء السلاح، فيبرز الموقف الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم الداعي إلى تسليح الجيش ليقوم بمهماته، ما يطرح السؤال عما إذا كانت عملية الاحتواء قد بدأت.
وكتبت" نورما ابو زيد في" نداء الوطن": رغم اقتراب مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة من حافة الخط الأحمر، أشعل "الحزب" الأصفر ضوءه الأخضر. فلماذا آثر "حزب الله" خفض السقوف بدل كسرها؟ وأيّ توازنات أقنعته أن تدوير الزوايا أربح من اقتحام الجدار؟ وهل أبقى النزاع معلّقًا في سقف الحكومة، ريثما تنجلي صورة المفاوضات الأميركية ـ
الإيرانية ، ليقيس على نتائجها؟
مصدر رفيع يبدأ من السؤال الأخير ويحسم: الحصان الإيراني "سكّ"، وعليه، لا تفاوض يُنتظر، ولا وقت يُشترى. وبحسب المصدر، عندما يوضع النووي على طاولة التنازل، تصبح الأذرع تفصيلًا.
برأيه،
إيران ذهبت إلى خلع الملابس الذي هو أبعد من بتر الأذرع، وما تبقّى هو حساب فاتورة التعرّي، دون أن يعني هذا الأمر أن احتمال الحرب سقط بالكامل.
وهل يعني ذلك أن "حزب الله" قرّر النزول عن حصانه المتعثر، بدل الاستمرار في إنكار العرج والإصرار على تبديل السرج؟ يجيب المصدر بالإيجاب، ويكشف عن مفاوضات غير معلنة بين
لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، قطعت شوطًا طويلًا. مفاوضات تقودها شخصية لبنانية رفيعة المستوى، تقوم على دفتر مقايضات متبادلة.
ويضيف المصدر أن هذه المفاوضات التي يطالب فيها الجانب اللبناني
إسرائيل بخشونة بإبداء مرونة حيال النقاط التي احتلتها، هي نفسها التي دفعت "حزب الله" إلى تمرير جلسة السلاح بسلاسة. فالتصعيد على طاولة مجلس الوزراء يضرّ بمسار المفاوضات، وينسف نقاط المقايضة الموضوعة على الطاولة. يشرح المصدر أن واشنطن التي ترخي مظلّتها على المفاوضات، تنطلق من مسلّمتين ثابتتين هما: الحفاظ على وحدة لبنان، وضمان أمن إسرائيل.
كيف؟ يجيب المصدر أن الصورة التفاوضية مركّبة، تتداخل قطعها بين تأمين واشنطن في المرحلة الأولى انسحاب إسرائيل من نقطة أو نقطتين في الجنوب، مقابل تخزين سلاح "حزب الله" من قبل لبنان.
وما المقصود بـ "تخزين السلاح"؟
يشرح المصدر أنه يتمّ التفاوض على وضع السلاح في مخازن، بالتنسيق بين الجيش اللبناني و "حزب الله"، بما يؤدّي إلى ربط نزاع لفترة طويلة، يلتزم خلالها "الحزب" بعدم التعرّض لإسرائيل ولو ببصقة، ما يحوّل السلاح مع الوقت إلى خردة، بينما تضمن واشنطن انسحاب إسرائيل نقطة بعد نقطة.
بحسب المصدر، تتيح هذه الصورة التفاوضية المركّبة لكلّ من "حزب الله" وإسرائيل فترة مراقبة لسلوك بعضهما بعضًا، وتمنح لبنان فسحة للتقدّم في مسار التعافي، وتوفر لأميركا ضمان أمن إسرائيل دون انشغال رأسها بإمكانية تحرّك ذراع "حزب الله".
وما هو تفسير رضوخ "حزب الله" فجأة، رغم تمسّكه سابقًا بمواقف عالية السقف؟
يفسّر المصدر هذا التحوّل بأربع نقاط حاسمة:
1ـ سقوط الملالي في قبضة أميركا.
2ـ ضيق مساحة المناورة داخليًا.
3ـ رفض بيئة "الثنائي" خوض حرب جديدة.
4ـ محدودية قدرة "حزب الله" على شن حرب، أو حتى الدفاع عن نفسه بطريقة متكافئة.
ويتوقّف المصدر عند النقطة الرابعة، موضحًا أن "حزب الله" قضى 18 عامًا فاصلة بين حرب 2006 وحرب الإسناد يراكم فيها الأسلحة، فيما راكمت إسرائيل أهدافها الاستراتيجية الواحد تلوَ الآخر، والنتيجة أن الآلة العسكرية لإيران و "حزب الله" خسرت أمام آلة التكنولوجيا والحرب الأمنية والجاسوسية
الإسرائيلية . وإذا سلّمت إيران ثيابها، ففي أفضل الأحوال يستطيع "حزب الله" تخزين سلاحه.
وماذا عن إعادة الإعمار؟
يوضح المصدر أن إعادة الإعمار تمثل قطعة ملحّة في المشهد، لكنها لم تجد حتى الساعة مكانها في الصورة المركّبة، ما يتركها معلّقة على
المستقبل .
وكتبت روزانا بو منصف في " النهار": ترتبط الإشكالية التي يواجهها لبنان في موضوع تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني حول حصرية السلاح والتي تمتد بين الليطاني والأولي بأنها تقع في خضم تشدد إيراني تحاول من خلاله إيران الدفع في اتجاه تخفيف الكلفة عليها في نفوذها الإقليمي.
وترى مصادر دبلوماسية أن لبنان يشتري لنفسه وقتاً في موضوع استكمال حصرية السلاح على رغم إعلانه مواصلة الانخراط في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الجيش في انتظار الدعم الدولي الذي يحتاج إليه الجيش اللبناني.
وثمة في هذا الإطار من يعتبر أن لا واقعية كبيرة تتسم بها المواقف الدولية على هذا المستوى، ويعطي هؤلاء مثالاً على ذلك أفول موضوع التفاوض السياسي ضمن لجنة الميكانيزم.
سيبقي لبنان عالقاً في إدارة أزمة لا حلها على رغم جهود رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وتصميمهما على هذا المستوى. فحين تتعلق الطائفة الشيعية نفوذها وموقعها في التركيبة السياسية والاجتماعية في لبنان على ما قد تكسبه إيران في مفاوضاتها وانعكاس ذلك عليها، فإن الواقع السياسي في لبنان سيستمر في مواجهة عراقيل تقدمه على كل المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية مهما تكن الضغوط الخارجية التي يمكن أن تنحصر في مراحل مختلفة. آخر المؤشرات التي تزيد من وطأة ملف سلاح الحزب وعبئه على الدولة
اللبنانية ، فيما لم يخفِ الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير ضرورة نزع لبنان سلاح الحزب لضمان انسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها في الجنوب. وثمة شبه إقرار خارجي بذلك على خلفية ضرورة عودة لبنان الدولة بعيداً من دويلة الحزب داخله.