ليس هناك من شك ان الحكومة الحالية في لبنان امام معضلات ومشاكل واستحقاقات، اقل gما يقال عنها انها "مصيرية"، ولكن القرارات التي تصدر عن هذه الحكومة لا توحي بالقدرة على الوثوق بها في مستقبل لبنان ومصيره. واذا تعاطت الحكومة بالتقدير السيء نفسه وبالخفة نفسها التي تتعاطى فيها مع التحديات المالية والاقتصادية (وآخرها زيادة الضرائب على البنزين والقيمة المضافة TVA الذي اثار استغراب الجميع بمن فيهم وزراء فيها فضّلوا تسريب اعتراضهم والهروب بدلاً من المواجهة)، فنحن امام وضع صعب جداً.
نجحت الحكومة في جلسة ماراتونية عقدتها في بعبدا ، في ابعاد كل المشاكل دفعة واحدة، فكاد وجود قائد الجيش العماد رودولف هيكل في الجلسة، ومسائل ك الانتخابات النيابية والاعتداءات الاسرائيلية اليومية، وتصدع الأبنية في طرابلس غيرها من المناطق، ان يتحول الى مجرد شكليات، ولم تحظ كل هذه المواضيع بالاهتمام اللازم. لم تستوعب الحكومة بعد ان الرئيس الألماني الذي كان يزور لبنان في اليوم نفسه الذي تم فيه اتخاذ هذه القرارات "التاريخية"، لم يستطع منع الطائرات الاسرائيلية من دون طيار، من ممارسة هوايتها المعتادة على علو منخفض فوق كل لبنان وحتى فوق قصر بعبدا، ولم يستطع ان يعد لبنان بأن وساطة بلاده مع إسرائيل قد تخفف من الواقع الأليم الذي يعيشه اللبنانيون.
ولم تصدق بعد هذه الحكومة ان الانتخابات النيابية، على الرغم من كل الامنيات والكلام الإعلامي عن حصولها، تقف امام عراقيل حقيقية وعملية لا تزال غير ظاهرة لان احداً لم يكلّف نفسه عناء البحث عنها (من إشكالات قضائية وتحضيرات إدارية ولوجستية وامنية...)، حتى ان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري اعتبر ان لا أجواء انتخابات في البلد...
وقد تدرك الحكومة، او لا تدرك، ان نسبة مهمة من تقرير مستقبل لبنان، ستكون على طاولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية ، واذا كان صحيحاً ان لبنان لا يمكنه التأثير على نتائج هذه المفاوضات او التحكم بمسارها، الا ان بامكانه على الأقل الاستعداد للتعامل مع ما هو متوقع من تداعيات ستطاله، بدل الاكتفاء بالقول اننا في البحر ولا نستطيع السباحة وليس هناك من ينقذنا. على الحكومة ان تعمد الى جذب الخارج، كل الخارج، للمساهمة في البقاء على قيد الحياة، فحتى ولو ان هذه الدول نفسها هي التي استغلت ضعف اللبنانيين واخطاءهم وكان لها الباع الطويل في إيصال الأمور الى ما هي عليه اليوم، الا انها ايضاً -شئنا ام ابينا- تحمل شبكة الخلاص، ويجب ان تشعر ان التعاطي هو مع حكومة تملك قدرة معيّنة، او قادرة على تقديم رؤية قابلة للبحث بإمكانها احداث خرق في جدار الازمات المتتالية، بدلاً من الاعتماد على التذلل والبكاء و"النقّ" الذي اثبت انه لا يفيد، بل يساهم في ابعاد الدول عن "وجع الرأس اللبناني" وتفضيل اتخاذ قرارات عن اللبنانيين كبديل عن اتخاذها معهم.
بكثير من الألم نرى ان الحكومة لم تنجح في ان تكون موضوعيّة، فلا احد يتوقع العجائب، ولكن لتوقعات كانت ان تختلف عن سابقاتها لانها أتت في ظروف مغايرة واعطت املاً في انها قادرة على تحمّل مسؤولية لململة الجراح والبدء بالخطوات الأولى في مسيرة طويلة نحو الخلاص. وبكل موضوعية ومنطق، اذا كان تعاطي الحكومة مع الأمور المصيرية على غرار ما تعاطت به مع قرار زيادة الرواتب، فإن مستقبل لبنان سيكون حصراً وفق رغبات وأفكار ورؤية الدول الكبرى، ولن يتأمل احد في التحكم بأصغر الأمور البديهية.
اضاعت الحكومة البوصلة بقرارات اعتباطيّة غير مدروسة على اكثر من صعيد، وهي تكتفي بقيادة السفينة في مسار مجهول لا احد يعلم اين سيؤدي.
المصدر:
النشرة