آخر الأخبار

لبنان الأوسع من السماء

شارك

مُنذُ بِدايَةِ الحَضارَةِ، وَإمبراطورِيَّاتُ الحُروبِ المُقَدَّسَةِ الى زَوالٍ، مَهما طالَت. هيَ القائِمَةُ عَلى إستِباحَةِ نَفسِها لِنَفسِها قَبلَ إٍستِحرابِ الآخَرينَ وَتَقديسِ الإستِعبادِ، تَستَشيطُ مَكراً بِخُبثِ التَقَدُّمِ التِكنولوجيِّ لِلمَزيدِ مِنَ السَيطَرَةِ بِالأهوالِ والتَوَسُّعِ، بِالمَحوِ عَينِهِ لِقابِلِيَّةِ الحَياةِ. مَحوٌ تُشَرِّعُهُ، تُبَرِّرُهُ. تَستَعطيهِ، تَهِبُهُ.

هوَذا الطوفانُ يُستَعادُ لا أُسطورَةً لِمَغزى وَهمٍ، بَل حَقيقَةً تَسري في عُروقِ التاريخِ البَشَريِّ مُذ كانَ البَشَرُ. هوَذا الكائِنُ تَدميراً لِلذاتِ قَبلَ تَدميرِ الآخَرينَ. بِالدُموعِ. بِالدِماءِ. هوَذا الكائِنُ بِالجَزمِ القاطِعِ لِكِيانِ الوجود ِ... بَل وَلِكُلِّ تَراكيبَ الوجودِ بِرُمَّتِها.

العَجَبُ أنَّ لبنان َ، المُتَأكِّدُ مِن كِيانِيَّتِهِ تَأكُّدَ المُطلَقِ في المُطلَقِ، وَحدَهُ يُصارِعُ إمبراطورِيَّاتِ العَدَمِيَّاتِ القاتِلَةِ-المُتَقاتِلَةِ. هيَ الآيلَةُ الى حَتمِيَّاتِ السُقوطِ ‒وَتَعرِفُ ذَلِكَ‒، عَلَيهِ تَستَقوي لِإلغائِهِ في الجَزمِ، بِنَفسِ القوَّةِ وَنَفسِ السُقوطِ... في إستِباقٍ فَوقَ الحِسِّ وَما بَعدَ الإدراكِ.

ما تَبريرُها؟ أإلى هَذا الحَدِّ هوَ خَطَرٌ عَلى لايَقينِها؟ عَلى وجودِيَّاتِها؟

تِلكَ هيَ المَسألَةُ!

لبنانُ يَعرِفُ. وَهيَ تَعرِفُ أنَّهُ يَعرِفُ.

هوَ اليَقينُ. وَمَصيرُ الحَياةِ القاطِعِ.

إنَّهُ عَجَبُ العِجابِ، تَأكُّدُ المِقياسِ في الأصلِ وَمِنَ الأصلِ. ما مِن وجودٍ إلَّا وَهوَ فيهِ... مُذ شاءَ الكَينونَةَ في المُطلَقِ لا في النِسبيِّ. في المَلَكوتِ لا في التُرابِ. في الحَياةِ لا في المَوتِ.

قُلّ: هوَ كَثرَةُ الواحِدِ وَواحِدُ الكَثرَةِ.

وَقَولُكَ هَذا لَيسَ باباً مِن أبوابِ الجَدَلِ الديالِكتيكيِّ، بَل إنتِفاضَةَ التَأمُّلِ في فِعلِ العَجَبِ المُستَقِلِّ لِلوجودِ كما لِرؤى الخَلقِ. في قَلبِ العالَمِ الحَقيقيِّ، الثابِتِ، الطافِحِ بالوجود لِلمعنى. في مَعِيَّةِ الكَثرَةِ البَشَرِيَّةِ وَواحِدِيَّةِ الكِيانِ الإنسانيِّ، لِتَداخُلِ الزَخمِ والقُدرَةِ.

ألبنانُ هَذا، شَرطُ الصَخَبِ المُنيرِ بِحَميمِ التَواصُلِ، التَلاقي، التَشارُكِ، التَفاعُلِ. بِالإستِعرافِ، بِالتَفاهُمِ، بِالتَقديرِ. لِغَلَبَةِ العابِرِ الغابِرِ. بِتَزاخُرِ الحَقيقَةِ بِالمَعانيَ؟

قُلّ: هوَ الحَقيقَةُ الأولى. السابِقُ. المُتَقَدِّمُ. المُشتَرِطُ كِيانِيَّةَ الحَقائِقَ الأُخرى.

وَقَولُكَ هَذا لَيسَ باباً مِن أبوابِ عُبورِ الفاحِصِ بِنَجاحٍ لِسِرِّ المَفحوصِ بِأنتروبولوجيا نَزاهَةِ المَوجودِ بِالوجودِ، بَل عِنايَةَ الكِيانِيَّةِ في ما هوَ أبعَدُ مِنَ الوَمضاتِ الفِكرِيَّةِ. في وجودِيَّةِ المُعطى والمَعنِيُّ، في المُتَعَجِّبِ وَإستِحقاقِ المُتَعَجَّبِ بِهِ في الجَوهَرِ. ألَيسَ الجَوهَرُ ضَبطُ الوجودِ الذي يُعنى... في مواجَهَةِ الباطِلِ؟

الصِراعُ الدائِبُ

ذاكَ لبنانُ: الصِراعُ الدائِبُ مَعَ عَدَمِ الوجودِ.

هوَ شَهوَةُ إمبراطورِيَّاتِ الحُروبِ المُقَدَّسَةِ. وَتَوَحُّدُها في تَصارُعِها وإستِصراعِها... في حَواضِرَ التاريخِ وَأواتيهِ. لِمَ؟ لِأنَّهُ خَلاصُ الحَياةِ مِنَ المَوتِ. كُلِّ مَوتٍ. وَكُلِّ المَوتِ.

كَيفَ؟ مُذ أرادَ كَينونَتَهُ بَدءاً يَختَلِقُ النورَ. بِهِ، يَتَعَهَّدُ الكَينونَةَ البَشَرِيَّةَ. غَيرُهُ يَقولُ الإنسانَ. هوَ في خَلقِهِ الكَلِمَةَ، حُروفاً مِن تَجَرُّدٍ لِتَجَرُّدٍ، نَطَقَ المُقَدَّسَ-القُدسِيَّ في الإنسانِيَّةِ: تَناولاً، تَحَقُّقاً، مُضِيَّاً. مُثولاً في الكَينونَةِ-الحَقِّ، تَعَهُّداً بِها وَلَها. ماهِيَّةً تأسيسيَّةً. بَدءاً لِكُلِّ ما هوَ أصلٌ، يُبيحُ لِلكَينونَةِ أن تَكشِفَ ما هيَ في الوجودِ كَما في الجَوهَرِ. فَلا فَناءَ يَغلِبُهُ، وَلا مَوتَ يَحجُبُهُ.

كَيفَ؟ في الحُدوثِ نَفسِهِ، العابِرِ لِلتاريخِ. بِثَباتِ القوَّةِ في فِعلِ الضَميرِ. وَها الإمبراطورِيَّاتُ، سِلَعُ عَولَمِةِ المَوتِ، المُتَعالياتُ بِوجودِيَّةِ الظُلُماتِ، تَسقُطُ الواحِدَةُ تِلوَ الأُخرى. التاريخُ يَطويها. فَلا تَبقى إلَّا أسماؤها... ألْمِن حُروفَ مُنهارَةٍ. خاسِرَةٍ مِن ذاتِها لِذاتِها.

ذاكَ لبنانُ في ما هوَ. جَوابُ الكَينونَةِ قَبلَ أن يَكونَ أنَفَةَ التَعبيرِ. جَوهَرُ الثالوثِ المُقَدَّسِ في حَقيقَةِ وجودِهِ. حُروفُ الكَلِمَةِ! الخَلاصُ!

هوَ الأوسَعُ مِنَ السَماواتِ!

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا