ما شهدته طرابلس من انهيار مبانٍ سكنية وسقوط ضحايا أبرياء أعاد فتح ملف الإهمال الذي تعانيه المدينة منذ سنوات، ووضع الحكومة أمام مسؤولياتها تجاه واحدة من أكثر المناطق حرمانًا في لبنان . فالمأساة لم تكن مفاجئة، بل جاءت نتيجة طبيعية لتراكم طويل من التقصير من عدد من الوزراء والنواب، وغياب المعالجات الجدية.
في خضم الغضب الشعبي والأسى العام، برزت مواقف سياسية حمّلت الدولة مسؤولية ما جرى، معتبرة أن الأرواح التي أُزهقت هي ثمن مباشر لغياب التخطيط والرقابة والتمويل. هذا المشهد أعاد طرح سؤال أساسي حول من يتحمّل فعليًا مسؤولية حماية الناس، وحول حدود دور المبادرات الفردية في ظل ضعف المؤسسات الرسمية وتراجع دورها.
في هذا السياق، عاد
النقاش إلى دور
الرئيس نجيب ميقاتي في طرابلس، في ظل محاولات تحميله جزءًا من المسؤولية السياسية عمّا تعانيه المدينة. غير أن المتابعين للشأن الطرابلسي يشيرون إلى أن حضور
ميقاتي لم يكن موسميًا أو مرتبطًا فقط بالاستحقاقات
الانتخابية ، بل ارتبط، منذ العام 1980 ، بسلسلة مبادرات اجتماعية وإنمائية هدفت إلى التخفيف من معاناة السكان في مرحلة كانت فيها الدولة شبه غائبة.
فمن خلال "جمعية العزم والسعادة الاجتماعية"، التي أسسها الرئيس ميقاتي مع شقيقه طه، جرى دعم عشرات المدارس الرسمية، وترميم عدد كبير من الأبنية والأسواق والمساجد، إضافة إلى المساهمة في مشاريع صحية وخدماتية واجتماعية استفادت منها ولا تزال شرائح واسعة من أبناء المدينة. وقد شكّلت هذه الجهود، في مراحل كثيرة، شبكة أمان اجتماعية حالت دون تفاقم الأزمات، ووفرت حدا أدنى من الاستقرار في بيئة كانت تعاني من الانهيار الاقتصادي والإداري والاجتماعي.ومن يقصد مراكز جمعية العزم في طرابلس في اي وقت يرى عمليا ما تقدمه، بصمت وبعيدا عن الصخب والاستغلال،من دعم يخفف معاناة ابناء طرابلس من دون اي اعتبارات سياسية او انتخابية.
ويرى كثيرون أن هذه المبادرات، على أهميتها، جاءت في سياق محاولة سدّ الفراغ الذي تركته الدولة، لا في إطار استبدالها أو الالتفاف على دورها. فالمشكلة الأساسية في طرابلس لم تكن يومًا مرتبطة بغياب العمل الأهلي، بل بضعف السياسات العامة، وتعطيل المشاريع الإنمائية، وغياب المتابعة والمحاسبة، وتحويل الملفات الحيوية إلى رهائن للصراعات السياسية.
ويستشهد هؤلاء بملف المئة مليون دولار التي أُقرّت عام 2012 لإنماء المدينة، في عهد حكومة الرئيس ميقاتي، لكن تنفيذها تعطل لاحقًا بسبب التباينات والخلافات بين الوزراء الطرابلسيين، والصراعات داخل الحكومات المتعاقبة. وبقي هذا المبلغ مجمّدًا، فتحوّلت فرصة التنمية إلى مثال جديد على إضاعة الإمكانات وتحويل المشاريع إلى عناوين إعلامية من دون ترجمة فعلية.
هذا الواقع يعكس حقيقة مؤلمة، وهي أن طرابلس دفعت مرارًا ثمن الخلافات بين من يكون في السلطة ومن يكون خارجها، كما دفعت أثمانًا إضافية للصراعات الإقليمية وانعكاساتها على الداخل اللبناني، حيث كانت المدينة في كثير من الأحيان ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بدل أن تكون مساحة للتنمية والاستقرار.
إلى جانب ذلك، زادت الأزمة تعقيدًا بفعل النزاعات العقارية وقانون الإيجارات القديم، الذي عطل ترميم عدد كبير من الأبنية، وأدخل المالكين والمستأجرين في دوامة قانونية حالت دون أي تدخل وقائي فعال. وفي ظل غياب التشريعات الحديثة والتمويل الكافي، بقيت المعالجة مؤجلة، إلى أن تحوّل الخطر إلى كارثة فعلية حصدت أرواح الأبرياء.
اليوم، وبعد سقوط الضحايا، تبدو طرابلس أمام لحظة مفصلية. فإما أن تبقى رهينة ردود الفعل، وإما أن تتحوّل هذه المأساة إلى نقطة انطلاق لمسار جديد يقوم على خطة شاملة تبدأ بمسح كامل للأبنية المهددة، وإلزام قانوني بالترميم أو الإخلاء المؤقت، وتأمين تمويل شفاف من الخزينة العامة، وتأمين مساكن مؤقتة للمتضررين، إلى جانب تفعيل دور البلدية والإدارات المختصة، وتعزيز الرقابة والمحاسبة.
وفي هذا الإطار، يؤكد متابعون أن دور ميقاتي وجمعية العزم شكّل عنصر دعم مهم للمدينة في أصعب مراحلها، وساهم في التخفيف من حدة الانهيار، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن مسؤولية الدولة، ولا غطاءً لأي تقصير متعمد. فطرابلس لا تحتاج إلى مبادرات ظرفية مهما كانت قيمتها، بل إلى مشروع وطني مستدام يعيد لها موقعها الطبيعي في خريطة التنمية، ويضع حدًا لمسلسل الإهمال.