آخر الأخبار

هذا ما تحتاج إليه العودة الحريرية لكي لا تكون فولكلورية

شارك
قرار عودة سعد الحريري إلى الحياة السياسية بعد أربع سنوات من التعليق ليس مجرد قرار شخصي ولا خطوة حزبية داخلية تخص تيار " المستقبل " وحد. هي لحظة سياسية فاصلة تعلن نهاية مرحلة كاملة في التوازنات اللبنانية ، وبداية مرحلة جديدة عنوانها إعادة تكوين المرجعيات داخل الشارع السنّي، وربما إعادة تركيب جزء من النظام السياسي نفسه من خلال شعارات رفعها في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري الحادية والعشرين. وأهم هذه الشعارات تطبيق اتفاق الطائف كاملًا ومن دون اجتزاء، المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، لبنان أولًا بجيش واحد وسلاح واحد، وبعلاقات راسخة مع الدول العربية، وبالأخص مع سوريا الجديدة.

فمنذ تعليق العمل السياسي في 24 كانون الثاني من العام 2022، دخلت الساحة السنّية في حالة تشتت غير مسبوقة. لم يكن هذا التشتت تنظيميًا فقط، بل كان معنويًا أيضًا. وكانت نتيجة تشتت الصوت السنّي، وانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات الماضية، تحوّل الكتلة الناخبة إلى كتلة صامتة أكثر منها كتلة معترضة، على رغم الجهود الفردية التي قام بها الرئيس نجيب ميقاتي في أصعب الأوقات لتجنيب لبنان المزيد من الخسائر والتقليل من أضرارها.

اليوم، مع عودة الحريري، قد ينتهي زمن الصمت. ما يجري ليس استعادة حزب لدوره، بل محاولة لإعادة تجميع قوة انتخابية كانت موزعة ومحبطة. وهذا العامل قد يكون وحده كفيلًا بإحداث تبدّل ملموس في ميزان الانتخابات المقبلة.

لكن قراءة العودة من زاوية داخلية فقط تبقى قراءة ناقصة. فالحريري لم يكن يومًا لاعبًا محليًا بحتًا، بل كان دائمًا جزءًا من معادلة إقليمية أوسع. فلبنان تاريخيًا كان ساحة توازن بين محاور، وأي حركة كبرى داخله تعكس بالضرورة تحولات خارج حدوده.

في هذا السياق، تبدو العودة مرتبطة بتبدّل المناخ الإقليمي. فالعلاقة بين السعودية ولبنان تمر بمرحلة إعادة تقييم لا قطيعة. الرياض التي انكفأت نسبيًا عن التفاصيل اللبنانية خلال السنوات الماضية، تبدو اليوم أقل حدة في مقاربتها، وأكثر ميلاً إلى إدارة النفوذ بدل الانسحاب الكامل.

في المقابل، لا يمكن فصل هذه العودة عن موقع إيران في المعادلة اللبنانية. فطهران نجحت خلال سنوات الفراغ في تثبيت نفوذ حلفائها من دون أي مقاومة سياسية سنّية منظمة. فعودة "المستقبل" تعني إعادة إدخال عنصر توازن داخل اللعبة، ليس بالضرورة عبر المواجهة المباشرة، بل عبر إعادة إحياء الحياة السياسية داخل بيئة كانت شبه منسحبة. وهذا بحد ذاته تعديل في قواعد الاشتباك السياسي الداخلي.

أما دوليًا، فإن المزاج الدولي تجاه لبنان تغيّر من منطق الحلول الكبرى إلى منطق إدارة الانهيار. العواصم الغربية لم تعد تبحث عن تسويات تاريخية، بل عن حد أدنى من الاستقرار يمنع الفوضى. وفي هذا الإطار، تبدو عودة لاعب تقليدي قادر على ضبط جزء من الشارع عامل طمأنة أكثر مما هو عامل صدام. فالمجتمع الدولي يفضّل التوازنات المعروفة على الفراغ المفتوح.

انتخابيًا، ستفرض هذه العودة إعادة رسم الخرائط قبل فتح صناديق الاقتراع. القوى التي استفادت من الغياب ستفقد جزءًا من مساحتها. المستقلون الذين بنوا حضورهم على الفراغ سيجدون أنفسهم أمام منافس مركزي. والتحالفات التي تشكلت على أساس غياب الحريري ستحتاج إلى إعادة تفاوض من الصفر.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في العودة بحد ذاتها، بل في شكل هذه العودة. هل يعود "المستقبل" بالخطاب نفسه الذي سبق الانسحاب؟ أم يعود بخطاب مراجعة وتجديد؟ الجمهور الذي صمت أربع سنوات ليس الجمهور نفسه الذي كان في 2018. الأزمة الاقتصادية، انهيار الدولة، وتغيّر المزاج الشعبي فرضت شروطًا جديدة على أي قيادة سياسية. النجاح لن يكون في استعادة الماضي، بل في القدرة على تقديم صيغة مستقبلية مختلفة.

لهذا، فإن عودة الحريري تمثل اختبارًا مزدوجًا، اختبارًا لقدرته على إعادة توحيد بيئته، واختبارًا للنظام اللبناني نفسه في استقبال لاعب مركزي بعد تجربة غياب طويلة. إذا نجحت هذه العودة في إنتاج توازن سياسي جديد، فقد نشهد برلمانًا مختلفًا في شكله ووظيفته. أما إذا تحولت إلى مجرد استعادة شكلية، فسنكون أمام إعادة تدوير للأزمة لا أكثر.

فهذه العودة إذا لم تأخذ في الاعتبار الواقع السياسي بجدّية ستكون عودة فولكلورية، وإذا لم تأخذ من تجارب الماضي العبر تكون عودة ناقصة، وإذا لم تأخذ في الحسبان القيادات التي عملت يصمت وحافظت على الحد الأدنى من مقومات الدولة تكون عودة مجتزأة، وإذا لم تضع خلافات الماضي جانبًا تكون عودة مبتورة، وإذا لم تتعاطَ مع الحاضر والمستقبل بذهنية مغايرة تكون عودة شكلية.

في كل الأحوال، المؤكد أن الانتخابات المقبلة لن تشبه سابقاتها مع عودة لاعب أساسي من التركيبة اللبنانية، خصوصًا أن الملعب السياسي اللبناني بدأ يستعد لجولة مختلفة تمامًا.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا