أشار وزير الماليّة ياسين جابر ، في ختام المناقشات المكثّفة مع وفد صندوق النقد الدولي ، إلى أنّ "الاجتماعات كانت متواصلة منذ الثلاثاء الماضي، وقد عُقدت اجتماعات مختلفة مع مصرف لبنان ، ومع جمعية المصارف ومع دوائر عديدة سواء في مصرف لبنان أو في وزارة المالية . وشهدت قاعة الاجتماعات لقاءات مستمرّة على مدار السّاعة صباحًا ومساءً، لمناقشة مختلف الأمور والتطوّرات الماليّة والنّقديّة الّتي تحصل في لبنان".
وأوضح أنّ "الأمور تتطوّر نحو الأفضل، ولبنان اليوم مثلًا لا يحقّق عجزًا في موازنته، بل بالعكس في سنة 2025 حقّقنا فائضًا والأمور نحو الأفضل، وثمة جهود تبذَل. ثمّة اتفاق على وضع خطّة خمسيّة أي متوسّطة المدى للتطوّر الاقتصادي للبلد، سيُرسل قريبًا إلى مجلس الوزراء لإقرارها"، مبيّنًا أنّه "ثمّة بحثًا في قانون إصلاح القطاع المصرفي، وحصل بحث كذلك أمس طوال النّهار مع فريق من الاختصاصيّين في الوزارة في موضوع الفجوة المالية ".
ولفت جابر إلى أنّ "النّقاشات في كلّ المجالات تحصل، والتقدّم يتحقّق. وسنلتقي أيضًا معهم مجدّدًا في شهر نيسان المقبل خلال مؤتمر الربيع الّذي سيُعقد في واشنطن ، ونكون تقدّمنا بشكل أفضل في اتخاذ الإجراءات". وذكر أنّ "خلال أسابيع لدينا موضوع الرّواتب والأجور في القطاع العام، وإيجاد مدخول لتغطية هذه الزّيادات في الرّواتب، وغيرها من الخطوات الماليّة. وستكون الخطوات الّتي نتخذها في هذا الشّأن قد تبلورت حيال التغييرات الإداريّة وغيرها".
وأكّد أنّ "الأجواء أفضل وإيجابيّة، ونأمل أن نصل إلى وقت نستطيع أن نبدأ فيه بمناقشة الاتفاق النّهائي مع الصّندوق، بعد أواخر شهر نيسان وبداية شهر أيّار المقبل. وسيُصدر الصّندوق بيانًا يلخّص كل شيء".
وعمّا إذا كان صحيح أنّ صندوق النّقد أعطى مهلةً حتى نيسان المقبل، ليكون لبنان قد قدّم التعديلات على قانون الفجوة المالية، كشف أنّه "لا يوجد شيء يتعلّق بالفجوة الماليّة. حصل بحث أوّل من أمس في قانون الفجوة. وسأكرّر أنّه منذ إقرار مجلس الوزراء قانون الفجوة الماليّة الّذي جاء نتيجة نقاش امتد على أشهر، قلنا إنّ هذا القانون ليس القانون النّهائي، ومن لديه اقتراح أفضل فليقدّمه، وقلنا إنّه من المؤكّد أنّه خلال البحث فيه سيستلزم بعض التغييرات والتعديلات، وأنّ النّقاش مع صندوق النّقد الدّولي كان حول التغييرات الّتي ممكن أن تجعل هذا القانون أفضل"، موضحًا أنّ "البحث لا يزال جاريًا، ولكن لا يوجد وقت محدّد لصدوره".
وأضاف جابر: "طبعًا، نحن وهم نقدّر أنّنا على أبواب انتخابات نيابيّة. وأهميّة الأمر أنّ لبنان عاش ستّ سنوات من الإنكار. إذا بقي المريض ينكر أنّه مريض، قد يقتله المرض. نحن في لبنان بقينا ستّ سنوات ننكر أنّ لدينا أزمة"، متسائلًا: "ماذا كان لدى يملك المودع اللّبناني من خيارات؟ 400 دولار أو 600 دولار؟ هل يعرف المودع اللّبناني ما هو وضع المصرف الّذي يوجد حسابه فيه؟ طبعا لا، لأنّ أحدًا لم يدقّق في الحسابات".
كما ركّز على أنّ "اليوم، هذا القانون وضع على الطّاولة إلزاميّة البدء بالبحث عن حلول في ما يتعلّق بأموال المودعين، تعالج القطاع المصرفي وأزمته، وتعالج موضع الاقتصاد النّقدي الّذي وَضع لبنان على اللّائحة الرّماديّة، وإذا استمرّ الوضع على حاله فهو يهدّد لبنان بالذّهاب إلى وضع أسوأ، إلى عزلة دوليّة وغير ذلك. هذا أمر لا نريده".
وأشار إلى أنّ "قانون الفجوة الماليّة يتخذ الإجراءات الضّروريّة لإخراج لبنان من الأزمة الّتي وقع فيها. نريد أن نعود ونحفظ أموال المودعين. أكيد كلّ مودع يحب أن يأخذ أمواله اليوم، ولكن لو كانت موجودة ألّا نعطيه إيّاها؟"، مذكّرًا بأنّ "هذه الحكومة ليست هي من سبّبت الأزمة. هذه الحكومة أوّل حكومة تجرّأت أن تحاول جدّيًّا إيجاد حلّ لهذه الأزمة". وشدّد على أنّ "الخروج تمامًا من الأزمة سيستغرق وقتًا، ولن يحصل خلال سنة أو اثنتين. يجب أوّلًا أن نقرّ القانون في مجلس النّواب، وقد تدخل عليه تعديلات ويجري تحسينه، ونريد أن نضمن أن يكون قانونًا ناجحًا يعالج الأزمة. ونريد بعد ذلك إعادة تنظيم القطاع المصرفي وإعادة الحياة إليه وثقة المجتمع به".
وتابع وزير الماليّة: "في آخر كلّ شهر، تدفع وزارة الماليّة نحو 300 مليون دولار رواتب، خلال 24 ساعة تكون قد سُحبت من المصارف وأصبحت في جيوب النّاس، لأنّهم لا يحبّون إبقاءها في المصارف. هذا واضح ولا سبب لإنكاره"، مركّزًا على أنّ "عمليًّا اليوم، مهمّة الخروج من الأزمة مهمّة صعبة وليست سهلة. المهم أن نأخذ قرارًا بالتصدّي لها، وأن نسعى إلى إيجاد حل".
وأكّد أنّ "المريض علاجه لا يكون سهلًا. قد يضطرّ إلى الخضوع لعمليّة، وقد يبقى أشهرًا تحت العلاج، ولكنّه في النّهاية مضطر لأن يعالج نفسه. لبنان يتخبّط في الأزمة منذ ستّ أو سبع سنوات، وأحيّي الشّعب اللّبناني على قدرته على التحمّل".
وبيّن أنّ "اللّبنانيّين ضحّوا وصبروا وتعرّضوا لانهيار اللّيرة اللّبنانيّة ثمّ انفجار مرفأ بيروت ثمّ "كوفيد 19" ثمّ فراغ سياسي ومجلس النّواب معطّل وحكومة تصريف أعمال، وحرب سنة ونصف السّنة ولم تتوقّف بعد. كلّ هذه التجارب مررنا فيها، والحمد لله أنّ الشّعب اللّبناني تمكّن من الصمود، ولكن حان الوقت لإيجاد حلول، والحلول ليست سهلة، بل صعبة. إنّه دواء مرّ يجب أن نتناوله".
وعمّا إذا كان سيتمّ استخدام الذّهب، شرح جابر أنّ "الذّهب ليس بيد الحكومة أن تستعمله. ثمّة نقاش كثير حول الذّهب، وهو ملك مصرف لبنان لا ملك الحكومة. اليوم إذا كان سيحصل أي تغيير في هذا الشّأن، فهو ملك مجلس النّواب"، لافتًا إلى "أنّنا ذكرنا بشكل واضح في قانون الفجوة أنّه ليس لدى الحكومة أي صلاحيّة لاستعمال الذّهب. هذا الموضوع الآن ليس واردًا، ولكن نحن اليوم أيضًا يُفترض أن نحسّن مواردنا، وعلينا كدولة أن نغذّي موازنة مصرف لبنان ليقوم بتلبيه الدّفعات الّتي يجب أن يدفعها شهريًّا. الدّولة يجب أن تساهم".
وشدّد على "أنّنا يجب أن نحسّن مواردنا ونظامنا الضّريبي ومواردنا في كلّ القطاعات، ونحن نعمل على كلّ الجبهات. اليوم لأوّل مرّة تصدر أوامر تحصيل بموضوع المقالع والكسّارات. قد يستغرق الأمر وقتًا، ولكنّنا بدأنا. كذلك موضوع منصّة "صيرفة" سيبدأ العمل عليه، إذ بدأت مديريّة الواردات تطلب من الّذين استغلّوا "صيرفة" وحقّقوا أرباحًا أن يدفعوا ضريبةً، وستحصل على المعلومات من المصارف".
إلى ذلك، أفاد بـ"أنّنا اليوم تشاركنا مع مصرف لبنان في التدقيق بموضوع الدّعم. وتقدّمت الشّركات إلى المناقصة، وسيتمّ التلزيم لإحدى الشّركات الدّوليّة الكبرى، وستبدأ التدقيق بموضوع هدر الدّعم. نعمل على كلّ الجبهات لكي نحصّل مداخيل للدّولة"، منوّهًا إلى أنّ "وزارة الأشغال العامة والنقل تعمل بجدّيّة على موضوع الأملاك البحرية، وتكتشف ملفّات كثيرة جرى فيها إساءة استخدام أو تمّ غضّ النّظر عنها. ولكن الدّولة اللّبنانيّة ستستعيد دورها وما لها من موارد، لكي تتمكّن من خدمة النّاس".
وأردف: "في موضوع الأمن الاجتماعي والصّحي، لدينا اليوم في الجنوب نحو 300 ألف شخص تشرّدوا من منازلهم، وفي طرابلس هناك كارثة يجب التصدّي لها ومعالجتها. النّاس لا يمكنهم تحمّل البقاء مشرّدين ومن دون بيوت، وأن تنهار المباني عليهم، ومن الضّروري أن نعالج الأمر"، مؤكّدًا أنّ "كلّ هذا يحتاج إلى موارد، ويجب أن نؤمّن له مساهمات من الخزينة، وسعينا مع صندوق النّقد ضروري وهو لصدقيّة لبنان الماليّة، ويساعد في التمويل من أجل ردّ الودائع لأصحابها، ويظهر جدّيّة لبنان في الإصلاحات".
وضمّ الاجتماع الختامي جابر وفريقًا من الاختصاصيّين في وزارة المالية، فيما مثّل صندوق النّقد الدولي رئيس بعثته إلى لبنان أرنيستو راميريز ريغو، إلى جانب الممثّل المقيم للصّندوق في لبنان فريديريكو ليما.
المصدر:
النشرة