آخر الأخبار

أحلاف إقليمية تتوسّع... ولبنان وحده!

شارك

تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ مدّة توسّعًا تصاعديًا للأحلاف الإقليمية، إن على الصعيد السياسي أو حتى على الصعيد العسكري، في ظلّ تنامي نزعات السيطرة والتوسّع. والمسألة باتت مصيريّة لكثير من الجهات بغضّ النظر عمّا سيحصل في إيران ، لجهة إسقاط النظام أو إضعافه أو حتى الاحتفاظ بقدراته ونفوذه. ماذا في التفاصيل؟.

من بين القوى الإقليمية الأساسية التي تعمل على تفعيل تموضعها ونفوذها، تركيا التي قامت في المرحلة الأخيرة بتوسيع وجودها ليشمل خمس دول عربية، في الوقت الذي تواصل فيه تحصين حدودها المُشتركة مع إيران، عبر بناء جدران خرسانية، وحفر خنادق، وإقامة أبراج كهروضوئية. وفي هذا السياق، وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتفاقًا مع الرئيس السوداني عمر البشير قضى بتسليم جزيرة "سواكن" في البحرالأحمر شرقي السودان إلى تركيا بذريعة تطويرها اقتصاديًا وإعادة صيانة الآثار العثمانية فيها، علمًا أنّه توجد معلومات تؤكّد نيّة أنقره إقامة قاعدة عسكرية ومرفأ فيها. وتأتي هذه الخطوة استكمالًا للوجود التركي في الصومال عبر قاعدة تطلّ على خليج عدن مُخصّصة لإعادة تأهيل الجيش الصومالي وقوات الأمن، وفي قطر عبر قاعدة عسكرية تطلّ على الخليج العربي مُخصّصة لتدريب القوات القطرية وتطوير قدراتها، في تمركز إستراتيجي على مستوى كامل منطقة الشرق الأوسط.

والتواجد العسكري والأمني التركي يشمل حاليًا العراق عبر قاعدة عسكرية في منطقة "بعشيقة" التابعة للموصل في محافظة نينوى العراقية، شمال البلاد ضمن تفاهمات معقودة مع الحكومة العراقية وإقليم شمال العراق، تحت ستار تدريب قوات "البيشمركة" ووحدات عراقية سنية لمواجهة تنظيم "داعش". والتواجد التركي يشمل العديد من النقاط الحدودية بين تركيا والعراق، بحجة مواجهة " حزب العمال الكردستاني " التركي المعارض. بالموازاة، يُوجد تواجد تركي في سوريا بذريعة مواجهة "وحدات حماية الشعب الكردي"، ويشمل مناطق مثل جرابلس، ودابق، والباب، وأجزاء من محافظة إدلب. إلى ذلك، تعمل تركيا على طي صفحة الخلافات مع المملكة العربية السعودية، وتعزيز العلاقات في ما بينهما، وكلاهما يقوم حاليًا بتطوير علاقاته الثنائية مع باكستان النووية.

في المقابل، دخلت إسرائيل أخيرًا في تحالف إستراتيجي مُعلن وواضح مع كل من اليونان و قبرص ، حيث جرى التوقيع على خطة عمل للتعاون العسكري الثلاثي بين الدول الثلاث، في خطوة جديدة تهدف إلى تعميق الشراكة الأمنية، بهدف فرض ردع إستراتيجي بمواجهة التوسّع التركي، في ظلّ التوتّر المتصاعد على مستوى العلاقات بين أنقرة من جهة، وكل من أثينا ونيقوسيا. والعمل قائم بين إسرائيل واليونان وقبرص لتشكيل قوة عسكرية مُشتركة للتدخّل السريع، تتكون من وحدات برية وبحرية وجوية للدول الثلاث.

وبموازاة الوقوف بوجه خطط التوسّع وفرض السيطرة التركية، يتمثّل الهدف الإستراتيجي الآخر في تأمين استخراج الغاز الطبيعي في المنطقة ونقله إلى الدول المُستورده، لا سيّما أنّ حقول البحر الأبيض المتوسط تتميّز بقربها من الأسواق الأوروبية المُستهلكة، ما يُعطيها أهمية مُضاعفة، خاصة بعد أن وافق البرلمان الأوروبي في 17 كانون الأوّل من العام 2025 على خطة تقضي بوقف استيراد الغاز من روسيا بحلول نهاية العام 2027 المقبل، وأعطى "الضوء الأخضر" لتأمين البدائل بسرعة.

إلى ذلك، إنّ إعتراف إسرائيل باستقلال إقليم "أرض الصومال" أو " صوماليلاند " الواقع في شمال الصومال والذي كان انفصل عن الدولة المركزية في العام 1991، لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يشمل بُعدًا عسكريًا سريًا يدخل في سياق إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تُخطط تل ابيب لإيجاد موطئ قدم عسكري مُطلّ على خليج عدن في مواجهة السواحل اليمنية، وعلى مقربة من مضيق "باب المندب". والهدف هو مواجهة الخطر الذي يُمثّله الحوثيون في اليمن على أمن الملاحة في المضيق المذكور، وهي تُخطط لإقامة رادارات وأنظمة رصد وقواعد لطائرات مُسيّرة عن بُعد، لحماية السفن التي تنطلق من إسرائيل أو تُبحر إليها. يُذكر أنّ كلًا من دولة الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا عزّزتا في المرحلة الأخيرة علاقاتهما مع إقليم "صوماليلاند" في إطار الصراع الإقليمي العريض على النفوذ، في حين وقّعت السعودية في المقابل خلال الأيام الماضية اتفاقًا للتعاون العسكري مع الصومال.

من جهة أخرى، وبعد أن لاحظت مصر التي تستفيد من موقع جغرافي إستراتيجي مُطلّ على قناة السويس، أنّ الأحلاف العسكرية تُطوّقها من كل حدب وصوب، بدأت بدورها العمل على تحالف يضم تركيا والصومال و جيبوتي وأريتريا، ليس بالمعنى العسكري الصرف للكلمة، لكن دفاعًا عن أمن البحر الأحمر وقناة السويس وحقوقها في مياه النيل، إلخ. أمّا السعودية التي تدخّلت بحسم في اليمن في الأسابيع القليلة الماضية لمنع انفصال الجنوب، فهي تعمل بدورها مع القاهرة ومقديشو لتشكيل تحالف عسكري جديد، بالتوازي مع عقد تفاهمات للدفاع المُشترك ولتعزيز التعاون في مجال الصناعات العسكري مع تركيا وباكستان. إشارة أيضًا أنّ دولة الإمارات تعمل من جهتها على عقد تحالفات جديدة ومنها مع الهند التي هي بدورها في تحالف مع إسرائيل.

وليس بسرّ أنّه في الوقت الذي تهتزّ ركائز الشرق الأوسط من جذوره، وفي الوقت الذي تعمل فيه كل دول المنطقة على حماية نفوذها وحتى وجودها بوجه الأطماع التوسّعية المتعددة من خلال عقد التفاهمات السياسية والعسكرية والدُخول في تحالفات، يُغرّد لبنان خارج السرب، الأمر الذي يضعه في خطر مباشر من العاصفة الجيوسياسية التي تضرب منطقة الشرق الأوسط ككل حاليًا. وبالتالي، المطلوب ليس تحصين الساحة الداخلية فحسب، بل الانطلاق إلى توفير مظلّة حماية سياسية وعسكرية، إقليمية وحتى دولية، لأنّ الدول المتماسكة والتي تفوق قدراتها العسكرية قدرات لبنان بأضعاف تقوم بذلك ليل نهار، فكيف بالحري لبنان الذي يُعدّ من بين الأضعف في المنطقة!.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا