لا تبدو استقالة وفيق صفا من موقعه في "وحدة الارتباط والتنسيق" في "
حزب الله " على أهميتها، خطوة معزولة، بل إشارة افتتاحية لمرحلة مختلفة في بنية الحزب ووظيفته السياسية بعد الحرب الأخيرة وتداعياتها. فالرجل الذي تحوّل على مدى سنوات إلى عنوان "الأمن السياسي" وإدارة الاشتباك مع الدولة والخصوم، يخرج من المشهد في لحظة يُعاد فيها ترتيب المفاصل الداخلية، بما يوحي بأن الحزب يحاول كسر نمطٍ كامل من إدارة الداخل، لا الاكتفاء بتغيير واجهة.
وبالتوازي مع هذا الخبر الذي كان "صادمًا" رغم التسريبات التي مهّدت له أخيرًا، لوحظ في الخطاب الأخير للأمين العام للحزب الشيخ نعيم
قاسم ما يشبه "خفض الصوت" تجاه الدولة، فهو ذهب لحدّ "تثمين" زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، علمًا أنّ الأخير نادرًا ما حصد تعليقًا إيجابيًا من الحزب، كما تحدّث عن "تنظيم الخلاف" مع رئيس الجمهورية
جوزاف عون بدل الذهاب إلى مواجهة مفتوحة أو قطيعة سياسية.
هذا التحول في النبرة لا يمكن فصله عن التحول في البنية، ما يفتح باب علامات الاستفهام على مصراعيه ليس فقط لمعرفة لماذا خرج وفيق صفا من منصبه الحسّاس في الحزب، بل أيضًا ما قد يكون أهمّ من الخلفيات والأسباب، هو ما إذا كان خروجه يتصل بسياق أوسع يهدف إلى ترميم التنظيم وإعادة توزيع الصلاحيات، أو ربما يكون تغييرًا تكتيكيًا لالتقاط الأنفاس، أو إعادة تموضع بنيوية تعيد تعريف وظيفة الحزب في الداخل، ولو مرحليًا.
ما بعد صفا
لم يكن وفيق صفا مسؤولًا إداريًا عاديًا في "حزب الله"، وهو الذي نجا من محاولة اغتيال استهدفته في الحرب الأخيرة، بعد غموض حول مصيره خلال الحرب الأخيرة. فعلى مدى سنوات طويلة، تمركز دور الرجل في نقطة تماس دقيقة: إدارة قنوات الاتصال والتنسيق مع أجهزة الدولة، ونسج خطوط خلفية مع
القوى السياسية ، واحتواء أزمات داخلية عديدة عبر مزيج من النفوذ الأمني والضغط السياسي.
لذلك، حين تتحدث تقارير عن أن استقالته جاءت تتويجًا لمسار تقليص صلاحيات بدأ مع ورشة تغيير في هيكلية الحزب منذ نهاية العام الماضي، فهذا يعني أن القرار لم يولد "فجأة"، بل كان جزءًا من خطة لإزاحة طريقة عمل كاملة ارتبطت باسمه. وقد تكون الرسالة الأوضح في إخراج صفا هي محاولة تقديم صورة جديدة للحزب، "أقلّ أمننة" للعلاقة مع الدولة إن صحّ التعبير، بحيث لا يكون الأمن مرجعًا للسياسة، بل تكون السياسة في الواجهة، والأمن على الهامش.
وتتقاطع هذه المقاربة مع قراءات ترى أن طيّ صفحة صفا، بما تمثله من تداخل الأمن بالسياسة، يهدف إلى تخفيف الاحتكاك وإعادة وصل ما انقطع مع مرجعيات وقوى كانت ترى في قناة صفا عنوانًا للاستفزاز أو الفرض. لكن هذا التحول لا يأتي من رغبة "تجميلية" فقط، بل قد يكون "ضرورة"، باعتبار أنّ الحزب خرج من حرب مكلفة وتعرّض لاهتزازات أصابت التنظيم والاتصال والبيئة، ما فرض عليه إعادة النظر في منظومة الحماية والانضباط والقنوات.
"قاسم يُحكم السيطرة"
تبدو استقالة صفا إذًا، أقلّه وفق التقارير والتسريبات القليلة المتاحة بشأنها، أقرب إلى "تسوية داخلية" ضمن إعادة هيكلة شاملة، لا مجرد عقوبة أو خلاف شخصي، ولو أنّ الفكرة الأخيرة طُرِحت في وقت سابق للقرار، وسط حديث عن "جناحين" في الحزب، يقود صفا أحدهما. وبذلك، يمكن أن تُقرَأ الاستقالة كبناء لنموذج جديد، يعطي
الأمين العام الشيخ نعيم قاسم سيطرة إدارية أوضح على مفاصل التنظيم، مع إعادة ترتيب أدوار داخلية وواجهة سياسية مختلفة.
بمعنى آخر، يبدو أنّ قاسم سيمسك مع التغييرات الجديدة، بمركزية القرار داخل الحزب، وربما "يحكم السيطرة" عليه داخليًا، وفق تعبير الأوساط السياسية. هنا يكتسب خطاب "المهادنة" معناه الحقيقي، باعتباره تعريفًا لوظيفة تنظيمية جديدة للحزب، فعندما يعلن قاسم تثمين زيارة سلام إلى الجنوب ويتحدث عن تعاون للنهوض بلبنان، فهو يرسل إشارتين في وقت واحد: إشارة إلى الداخل بأن الحزب لا يريد كسر الجسور مع الحكومة في لحظة إعادة ترتيب؛ وإشارة إلى الخارج بأن الحزب قادر على "إدارة الخلاف" بدل تفجيره.
لعلّ "حزب الله" من خلال انفتاحه الأول على رئيس الحكومة، والمتجدّد على رئيس الجمهورية، يحاول تطبيع التباين ضمن سقف سياسي، لا تحويله إلى نزاع وجودي، بما يقلل كلفة الضغط الدولي ويخفف شروط العزل. غير أن السؤال الأكثر حساسية يبقى حول "حدود" هذه المهادنة، خصوصًا أنّها لا تُلغي التناقضات العميقة حول ملفات كبرى من السلاح، إلى القرار الأمني في الجنوب، ودور الدولة وحدودها، وعشيّة انطلاقة المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح.
خلاصة المشهد أن استقالة وفيق صفا ليست تفصيلًا إداريًا، كما أن خطاب نعيم قاسم "الأكثر هدوءًا" ليس مجرد تبديل لهجة. الاثنان معًا يشيان بمحاولة إعادة تموضع: تفكيك مرحلة كان فيها الأمن السياسي يتقدم على السياسة، وبناء مرحلة تُدار فيها الخلافات مع الدولة بقدر أكبر من البراغماتية، وبمركزية قرار أوضح داخل التنظيم.
يبقى أن هذه البراغماتية ليست ضمانة لاتجاه ثابت، بل هي "خيار إدارة" مرتبط بلحظة ما بعد الحرب وتوازناتها. فإذا نجحت ورشة الهيكلة في إنتاج قيادة أكثر انضباطًا وقدرة على التقاط الإشارات، قد نشهد تهدئة نسبية في الداخل السياسي. أمّا إذا اصطدمت هذه الورشة بعوامل ميدانية أكبر من قدرة الحزب والدولة على الاحتواء، فستعود لغة الاشتباك لتبتلع مجددًا لغة "تنظيم الخلاف"، وعندها يصبح ما جرى مجرد استراحة قصيرة لا أكثر.