تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ فعلياً الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة مع الدولة
اللبنانية إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» معها، في مقاربة تقوم على إدارة النزاع وضبط التباينات بدل تفجيرها.
وكان ذلك واضحاً من قِبل أمين عام الحزب نعيم قاسم، بإعلانه ذلك صراحة عبر مواقف «تصالحية» للمرة الأولى مساء الاثنين، وكذلك تظهر الوقائع تبدّل نبرة الخطاب العام تجاه الحكومة، والانفتاح على التعاون الذي بدأ في الملفات الخدماتية والإنمائية.
وكتبت كارولين عاكوم في"الشرق الاوسط": فيما لا تنفي مصادر وزارية مقربة من الرئاسة أن مواقف الحزب الأخيرة، «إيجابية» تضعها في خانة «التعامل مع الواقع» في ظل غياب كل الخيارات البديلة، داعية في الوقت عينه إلى انتظار ما
سيلي ذلك، وتقول: «في السياسة لا شيء يكون مجانياً».
وتقول : «هذه الخطوة موجّهة إلى داخل بيئة الحزب التي لا تزال تعاني من تداعيات الحرب ودعوة منه لها للعودة إلى الدولة، لا سيما في موضوع إعادة الإعمار الذي بات يشكّل عبئاً على الحزب، إضافة إلى إيحاءات موجّهة بضرورة التعامل بهدوء بعد التوتر الأخير والهجوم على رئيس الجمهورية، لأن الاستمرار بمعاداة الدولة سيكون نتيجته خسارة له ولبيئته».
وكتب عماد مرمل في" الجمهورية": استخدم الشيخ قاسم لغة إيجابية في مخاطبة رئيسي الجمهورية والحكومة، خلال الكلمة التي ألقاها لمناسبة افتتاح مركز طبي، متلقفاً إشارات الإنفتاح التي أطلقها الرجلان في الآونة الأخيرة، من قبيل انعقاد لقاء كسر الجليد بين الرئيس جوزاف عون ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، وزيارة الرئيس نواف سلام لعمق الجنوب، على وقع الالتزام بإعادة الإعمار. وإلى جانب النافذة التي فتحها قاسم على بعبدا والسرايا، أعاد تأكيد المؤكّد وتثبيت الثابت، لناحية التشديد على التحالف المتجذّر مع حركة «أمل»، واعتبارها و«حزب الله» جسماً واحداً ورأياً واحداً في
القضايا الأساسية، إضافة إلى التنويه بالوعي عند الجيش وعند المقاومة والشعب، ما أدّى إلى وأد الفتنة في مهدها. ولكن اللافت، هو تجاوز قاسم تداعيات الخلاف الأخير مع بعبدا، ناصحاً بأنّ «لا يلعب أحد بيننا وبين رئيس الجمهورية»، مشيراً إلى أنّه يوجد اختلاف بالأسلوب في بعض الأمور، «لكن من الموقع الوطني كلانا يريد وقف العدوان والتحرير ومنع الفتنة والنهوض بلبنان. والحمد لله زيارة رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» لرئيس الجمهورية كانت جيدة للمتابعة والتنسيق وتنظيم الخلاف ومواجهة التحدّيات، بإدارة الدولة وتحمّلها لمسؤوليتها عن حماية شعبها والسير معاً بمسؤولية ومناقشة استراتيجية الأمن الوطني لاحقاً».
وتفيد المعلومات، أنّ الحرص الذي أبداه قاسم على صيانة الجسور التي تربط بعبدا بالضاحية، إنما يؤشّر إلى أنّ اجتماع عون – رعد لم يكن سلبياً. كذلك فإنّ
الأمين العام للحزب تلقّى بارتياح ما نقله زوّار عون عنه عبر «الجمهورية»، حول تفاهمه مع الحزب على الأهداف الاستراتيجية، وإن كانا يختلفان على وسائل تحقيقها.
وإذا كانت علاقة الحزب بسلام هي الأشدّ تعقيداً وتوتراً منذ تشكيل الحكومة، إلّا أنّ قاسم بدا ميالاً إلى فتح صفحة جديدة معه، مثمّناً زيارته للجنوب اللبناني، حيث وصفها بأنّها خطوة مهمّة على طريق بناء
لبنان ، مشيداً بقول سلام «سنبني ولن ننتظر توقف العدوان»، وآملاً في «أن نتعاون نحن ورئيس الحكومة لتحقيق الإنجازات المطلوبة».
ويلفت العارفون إلى أنّ الحزب مقتنع بأنّ رفع مستوى التماسك الوطني هو جزء من عناصر القوّة لحماية لبنان، ومنع حصول أي شرخ أو فتنة، لن يستفيد منهما سوى العدو.
وكتب رضوان عقيل في" النهار": شكلت جولة الرئيس نواف سلام في الجنوب محطة أساسية لحكومته يمكن البناء عليها إذا استمر و"
حزب الله " على هذه المساحة من التلاقي. ولا مهرب من الاعتراف بأن ضغوط
إسرائيل وشروطها تتجاوز قدرات كل الأفرقاء في لبنان.
لم يكن مشهداً عابراً تفقد سلام وقائع الدمار في يارين وكفركلا وشقيقاتهما، في صور تفوق الوصف وتدل على ارتباط الأهالي ببلداتهم والعيش فوق ركام منازلهم. ولم يخفِ سلام اعترافه على مسمع نواب هذه المنطقة وبلدياتها بحجم تحديات الإعمار، مع إدراك الجميع أن هذا الملف الشائك على أكثر من مستوى لن يستقيم ويأخذ طريقه إلى التنفيذ قبل بلورة جملة من الأمور العالقة مع إسرائيل التي لا تتأخر في استثمارها على طاولة "الميكانيزم" وعلى أرض الجنوب، خطفاً وتدميراً واستهدافاً لكل ما يعود إلى "حزب الله".
ولم تكن زيارة سلام بعيدة من مواكبة الرئيس
نبيه بري الذي يصفها بـ"الجيدة" ويعبّر عن ارتياحه إلى خلاصتها والبناء على نتائجها في تثبيت الجنوبيين في أرضهم والبدء بإعادة بناء قراهم والعيش فيها.
ويتلقى بري باستغراب شديد ما يقرأه عن المفاوضات مع إسرائيل. وعندما يطلع على بعض ما يتم تناقله يشعر كأنه في دولة أخرى، بعيداً من تفاصيل هذا الملف. وكان لبري دوره في إنجاح جولة سلام التي تلقفها الحزب بعناية، ولو أنه لا يمكن الحكم عليها بفتح صفحة جديدة بين الجهتين، علماً أن محطات تلك الزيارة سبقها كسر للجليد بتأييد كتلة الحزب قانون الموازنة العامة. ومن المتوقع أن يحط في السرايا وفد من نواب "الثنائي" لمتابعة ما أعلنه سلام في الجنوب حتى يأخذ طريقه إلى التطبيق والبدء بـ"خطوات تنفيذية وعملانية" في أكثر من بلدة، ولا سيما الحدودية منها، حيث لم يتمكن الأهالي من الرجوع إليها، إذ تمنعهم إسرائيل حتى من الوصول إلى حقولهم. وثمة مصلحة انتخابية لـ"الثنائي" في البدء بتأهيل البنى التحتية ومباشرة الترميم الإنشائي في البلدات المدمرة والمتضررة قبيل الانتخابات النيابية التي يستعجل إجراءها لتجديد شرعية تمثيله لهذا المكون. ويبقى أن "الثنائي" أراد القول إنه يشكل "شبكة أمان" للحكومة، ولا سيما بعد مساهمته في إقرار الموازنة العامة التي تشكل عصب مشاريع الحكومة.
وكان لافتاً أن سلام لم يقارب ملف السلاح في تصريحاته من الجنوب، لكنه بالطبع لا يتراجع عن بيان حكومته ورؤيته في حصر كل السلاح تحت مظلة الجيش، وما يسري على جنوب الليطاني، على أهميته، يسري على شماله، تلك النقطة التي لا يوافق عليه الحزب على أساس أنه يترك بت الموضوع في هذا الجزء من الجنوب للبنانيين أنفسهم، وقد يؤدي الخلاف على هذا الأمر بين الطرفين إلى إعادة السخونة السياسية بينهما، علماً أن الوقائع أظهرت الحاجة المتبادلة بينهما. في غضون ذلك، لم يعد من المستغرب توجه الحزب إلى إعادة مراجعة حقيقية لسياساته، من دون أن تعني تخليه عن ثوابته، ولا سيما حيال إسرائيل والتصدي لمشروعها قدر الإمكان، في توقيت تتوجه فيه كل الأنظار إلى ما ستنتهي إليه المفاوضات الأميركية -
الإيرانية في مسقط وانتظار ارتداداتها حتى على شمال الليطاني.
وكتب الان سركيس في" نداء الوطن": تضرب الحكومة اللبنانية موعدًا جديدًا وحاسمًا، وتعتبر منطقة شمال الليطاني الاستحقاق الأهمّ. وينتظر الجميع كيف ستتصرّف الحكومة في هذه النقطة.
لماذا تكتسب منطقة شمال الليطاني أهميّة وضجّة أكثر من جنوبه مع أن جنوبه هو النقطة الأقرب إلى إسرائيل؟ سؤال كبير يُطرح في الفترة الأخيرة والإجابة عنه تتعلّق بالداخل اللبناني. عندما وقعت حكومة الرئيس
نجيب ميقاتي على اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، كانت تعرف أن العمل سيبدأ من جنوب النهر. وبعد وقف إطلاق النار، صعد وفد من "الحزب" برئاسة رئيس وحدة الارتباط والتنسيق آنذاك وفيق صفا إلى اليرزة، وأبلغ قائد الجيش آنذاك العماد جوزاف عون بالموافقة على عمل الجيش جنوب النهر وعدم الاعتراض على نشاطه والموافقة على حصر السلاح بيده في تلك المنطقة.
وانطلاقًا من هذا المعطى، يتضح أن عمل الجيش اللبناني جاء بعد موافقة "حزب اللّه"، لذلك لم يُسجّل أيّ صدام كبير بين الجيش و "الحزب" باستثناء الحوادث المتفرّقة. أما الوضع في شمال الليطاني، فهو مختلف تمامًا. في حال أقرّت الحكومة الخطة التي ينوي قائد الجيش العماد رودولف هيكل تقديمها لمجلس الوزراء، عندها يبدأ الكلام الجدّي.
ويعتبر إقرار الخطة بلا موافقة "حزب اللّه" ضربة كبيرة لـ "الحزب"، أمّا المباشرة بالتنفيذ فهذا الاستحقاق الأكبر. تستطيع الحكومة إقرار الخطة و"ضبّها" وتبقى حبرًا على ورق، لكن إذا ذهبت إلى التنفيذ الفعلي فعندها يكون أوّل صدام أو تصادم بين الدولة و "حزب اللّه" منذ نشوء "الحزب" في لبنان. تنتظر لبنان أيام مفصلية، ولا يمكن لـ "حزب اللّه" تعطيل عمل الحكومة، إذا قرّر الاعتراض على خطة حصر السلاح، لكن مسألة شمال الليطاني تحتاج إلى تنفيذ وليس إقرارًا فقط. الحكومة تمنح القرار السياسي والعمل على الأرض مرتبط بالجيش اللبناني.