تَوافق على إجراء الانتخابات في موعدها وفق القانون النافذ... عبارة تُردّد بكثرة في المرحلة الأخيرة، تؤكّد من جهة أنّ الانتخابات النيابية ستجري في موعدها في أيّار المقبل، لكنّها تحمل في الوقت عينه الكثير من التساؤلات بشأن قانونيتها. والسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه: هل سيذهب الثقل الانتخابي الذي يُمثّله المُغتربون هدرًا في حال المُضي قُدمًا بعدم اعتماد الدائرة الانتخابية رقم 16 ، وفي حال عدم السماح بطبيعة الحال بانتخاب المغتربين من أماكن انتشارهم في العالم؟.
بداية لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ القانون النافذ يحمل بنودًا لم تُصدر الحكومة المراسيم التطبيقية بشأنها، في حين أنّه لم يجتمع مجلس النواب ليُعلّق العمل بها، بحيث تكون الانتخابات ككلّ عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري. والأمر يطال مسائل عدّة، مثل اعتماد البطاقة الإلكترونية المُمغنطة، ورفع عدد أعضاء المجلس النيابي من 128 إلى 134 نائبًا، وخُصوصًا إصدار الحكومة المراسيم التطبيقية التي توزّع على أساسها المقاعد الستة المُخصّصة للاغتراب على القارات العالمية. وإجراء الانتخابات من دون إيجاد الحلول القانونية لما سبَق يَعني عمليًا ضرب الحائط بالقوانين والدستور، بحجّة الالتزام بالمهل الدُستورية!.
في كل الأحوال، يبدو أنّ المغتربين هم الذين سيدفعون الثمن الأكبر للخلافات الداخلية، لجهة عدم قُدرتهم على التأثير في مجريات المعركة الانتخابية النيابية، إلا في حال كانوا يملكون الوقت والمال والإرادة للمجيء إلى لبنان والتصويت، لأنّ النكايات السياسية ستقود حتمًا إلى حرمانهم من حق التصويت للمجلس النيابي بكامله من أماكن تواجدهم في العالم، وكذلك إلى إسقاط الدائرة رقم 16 التي كانت ستُخصّص لهم.
إشارة إلى أنه بحسب الاحصاءات الخاصة بدورة العام 2022 الماضية من الانتخابات النيابية، اقترع ما مجموعه 141,575 لبنانيًا مقيمًا في الخارج، من أصل 225,277 سجّلوا أسماءهم، أي أنّ نسبة المُقترعين من الناخبين المُسجّلين بلغت 62,84 %. ومن باب المقارنة فإنّ مجموع أعداد اللبنانيّين الذين سجّلوا أسماءهم تحضيرًا لانتخابات العام 2026، بلغ بحسب الأرقام النهائية التي نشرتها وزارة الخارجية والمغتربين 151,985 شخصًا فقط، أي أقلّ بكثير من الدورة الماضية، الأمر الذي يؤشّر إلى تشكيك ضمني بقدرتهم على الانتخاب ككل من أماكن تواجدهم! وللتذكير أيضًا كانت عملية الاقتراع قد تمّت في 58 دولة مختلفة، علمًا أنّ الدول التي كان قد فاق فيها عدد المُقترعين عتبة العشرة آلاف في دورة العام 2022 هي (من الأعلى إلى الأدنى): فرنسا ، ودولة الإمارات، وكندا، و الولايات المتحدة الأميركية ، واستراليا، وتلتها ألمانيا بعدد مُقترعين بلغ 8811 مُقترعًا والسعودية بعدد مُقترعين بلغ 6564 مُقترعًا، ثم باقي الدول التي وُزِّعَت عليها صناديق للاقتراع، مع مجموع مُقترعين قلّ عن عتبة خمسة آلاف.
وفي النتائج حصَد مُرشّحو " المجتمع المدني " آنذاك 27,34 % من إجمالي أصوات المقترعين، مع مجموع بلغ 35,770 صوتًا. وحلّ حزب " القوات اللبنانية " في المركز الثاني مع نيل 27,139 صوتًا (بنسبة 20.74%)، في حين حلّ المرشّحون المُستقلون في المركز الثالث مع مجموع 11,704 أصوات (بنسبة 8.95%). وجاء " حزب الله " في المركز الرابع مع مجموع 10,109 أصوات (بنسبة 7.73%)، و"التيار الوطني الحُرّ" في المركز الخامس مع مجموع 9,220 صوتًا (بنسبة 7.05%)، و"حركة أمل" في المركز السادس مع 7,193 صوتًا (بنسبة 5,50%). أمّا "الحزب التقدّمي الاشتراكي" فحلّ في المركز السابع مع مجموع 3,783 صوتًا (بنسبة 2.89%)، تليه "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية" في المركز الثامن مع مجموع 3,506 أصوات (بنسبة 2,68 %)، ثم حزب "الكتائب اللبنانية" في المركز التاسع مع مجموع 3,268 صوتًا (بنسبة 2,50%). وتقاسمت مختلف باقي القوى والأحزاب ما تبقّى من أصوات بمجموع يقلّ عن عتبة 3000 صوت لكل منها.
وليس بسرّ أنّ أصوات المُغتربين لعبت دور الرافعة لكثير من القوى السياسية، بحيث ساهمت الأصوات الخارجية برفع مجموع هذه القوى على مستوى الصوت التفضيلي، الأمر الذي حسم النتيجة لصالحها في كثير من الدوائر. من هنا إنّ تغييب دور المُغتربين في الدورة الانتخابية المقبلة، من شأنه أن يُعيد خلط الأوراق في كثير من الدوائر، لأنّ إضافة بضعة آلاف صوت لأي لائحة يمكن أن يجعلها بسهولة تحصد حاصلًا إضافيًا. وانطلاقًا من ذلك، بدأت الكثير من القوى الحزبية والشخصيات السياسية العمل على حثّ المناصرين والمؤيّدين في الخارج إلى التوجّه إلى لبنان، للمُشاركة في الانتخابات. وُتوجد أخبار عن احتمال تخصيص بعض القوى أموالًا لدعم اللبنانيّين الذين يرغبون بالتوجه إلى لبنان خلال الانتخابات، لكن تنفيذ هذه النية ينتظر تثبيت التواريخ الانتخابية المُعلنة وحسم ثغرات القانون النافذ. لكنّ مسألة مجيء اللبنانيين إلى لبنان للتصويت دونها عوائق عدّة، تتجاوز مسألة شراء بطاقات السفر. فالكثير منهم من المعنيّين بالانتخابات لديهم ارتباطات مهنية أو تربوية لا تخوّلهم السفر في تاريخ مُحدّد، والكثير منهم لا يملك المال الكافي لتأمين تكاليف الإقامة إذا ما افترضنا أنه جرى دعمهم بشراء بطاقات السفر، والكثير منهم لا يُحبّذ المجيء إلى لبنان أصلًا في ظلّ الظروف غير المُستقرّة الراهنة، إلخ.
في الخلاصة، يبدو أنّ الانتخابات النيابية ستحصل بحكم الأمر الواقع، ما لم يحل واقع أمني مُستجدّ دون إجرائها. ويبدو أيضًا أنّ الكثير من الجهات السياسية تعمل على ضرب قُدرة المُغتربين اللبنانيّين على التأثير في نتائج هذه الانتخابات، فهل سينتفض المُغتربون على حرمانهم من حق الإقتراع في الخارج، ومن دائرة انتخابية مُخصّصة لهم، ويتوجّهون إلى لبنان لإسماع أصواتهم، أم أنّ هذا الثقل الانتخابي الاغترابي سيذهب هدرًا؟!.
المصدر:
النشرة