قُتلت الفنانة القديرة هدى الشعراوي على يد العاملة الأجنبية التي كانت تعمل لديها، في حادثة لم تمرّ مرور الكرام في العالم العربي، ولا سيما في
لبنان وسوريا، حيث تحظى هذه الفنانة بمحبة واسعة، خصوصًا أن جيلًا كاملًا نشأ على متابعة أدوارها، خصوصًا دور "إم زكي" في مسلسل "باب الحارة".
ما جرى شكّل بالنسبة إلى البعض ناقوس خطر، إذ سرعان ما انعكس على وسائل التواصل الاجتماعي عبر انتشار "ترند" يُظهر أصحاب المنازل وهم يتعاملون بلطف مبالغ فيه مع العاملات الأجنبيات، بدافع الخوف من تعرّضهم لأي أذى محتمل.
غير أنّ هذا "الترند" يخفي خلفه إشكالية أكثر خطورة، في ظل تزايد الحديث عن حوادث سرقة واعتداء وقتل وتعنيف وقعت داخل المنازل ونُسبت إلى عاملات أجنبيات، ما دفع شريحة من الناس إلى إعادة النظر في مفهوم الأمان داخل المنزل.
فهل باتت العاملة المنزلية تُعامَل اليوم كمصدر خوف وتهديد، بدلًا من أن تكون عنصر ثقة وأمان داخل المنازل؟
في هذا الإطار، أوضح نقيب مكاتب استقدام العاملات الأجنبيات،
جوزيف صليبا، لـ"
لبنان 24 "، أنّه في ما يتعلّق بالجريمة المؤسفة التي وقعت بين الفنانة القديرة والعاملة الأجنبية، لا بدّ من التأكيد أن الخطأ الأكبر يكمن في التعميم، لأن التعميم في مثل هذه
القضايا قاتل وخطير.
وأشار إلى أنّه في الوقت الذي تُرتكب فيه جريمة فردية من عاملة أجنبية بحق شخصية عربية معروفة، هناك في المقابل آلاف العاملات الأجنبيات اللواتي أصبحن جزءًا لا يتجزأ من العائلة، يعتنين بكبار السن، ويهتممن بالأطفال، ويقمن بدور إنساني واجتماعي لا يمكن تجاهله.
وأكّد صليبا أنّه "يجب التعامل مع هذه القضية كحالة فردية تخضع للتحقيق، ويأخذ القانون مجراه الكامل، من دون تحميل المسؤولية لدولة أو جنسية أو عِرق أو لون أو مذهب"، مضيفًا أنّ "ما حصل بين الفنانة والعاملة الأجنبية يمكن، وللأسف، أن يحصل بين أخ وأخيه، بين ابن ووالده، بين زوج وزوجته، أو حتى بين رب عمل وعامل من الجنسية نفسها. فالجريمة بحد ذاتها ترتبط بالخلاف، بالحالة النفسية، بظروف العمل، وبعوامل لا تتّضح إلا من خلال التحقيقات الرسمية".
أما في ما يتعلّق بالدعوات إلى معاملة "مميّزة" أو استثنائية بعد وقوع هذه الجريمة، فاعتبر صليبا أنّ هذا الطرح مرفوض، لأن المعاملة أساسًا يجب أن تُبنى على الأخلاق والقيم الإنسانية، سواء وقعت هذه الحادثة أم لا، وسواء كان الطرف عاملة أجنبية أو رب عمل، مشيرا إلى أنّ الاحترام المتبادل هو
القاعدة ، لا ردّة فعل ظرفية على حدث معيّن.
وفي ما يخصّ الضغط النفسي وسوء المعاملة بين العاملات وأصحاب المنازل، أكّد أنّ هذا الأمر موجود في مختلف علاقات العمل، سواء في المؤسسات أو في المنازل، وليس حكرًا على قطاع العمل المنزلي. وأضاف: "هنا يبرز في لبنان الدور الأساسي لمكاتب الاستقدام المرخّصة والشرعية، التي تمتلك خبرة طويلة في هذا المجال، والتي يُعدّ من صلب عملها أن تكون الجهة الفاصلة والضامنة لحل النزاعات ضمن أطر قانونية واضحة، تسمح بترك العمل والانتقال من رب عمل إلى آخر".
وأوضح صليبا أن "المشكلة تبرز أكثر في حالات الاستقدام المباشر، حيث تغيب الجهة الوسيطة، وتصبح العلاقة جبرية وإلزامية بين الطرفين، من دون بدائل أو حلول، ما قد يؤدّي في بعض الحالات إلى توتّر شديد، تأزّم، وربما حوادث خطيرة".
وختم بالإشارة إلى أنّه في لبنان، يمكن معالجة أي خلاف بين رب العمل والعاملة، أو العكس، عبر التواصل مع المكتب المختص الذي يقوم بدوره في الفصل بين الجهتين وتحكيم العقل والخبرة. وفي حال تعذّر الحل، تبقى القنوات القانونية واضحة عبر
وزارة العمل ، والأمن العام، والضابطة العدلية، ليبقى القانون المظلّة التي تحمي الجميع.
في المحصّلة، يبقى احتمال الخطر قائمًا مهما اختلفت الظروف، إذ إنّ كل تجربة داخل المنزل لها خصوصيتها ولا يمكن إسقاطها على غيرها. فلا يمكن تحميل المسؤولية دائمًا لأصحاب المنازل، كما لا يصحّ تعميم الاتهام على العاملات الأجنبيات. وحدها العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل تبقى الأساس في أي تعايش سليم، فالتوترات الإنسانية ليست طارئة ولا مستجدة، لكنها لا تُواجه بالهلع أو الأحكام المسبقة، بل بالاحتكام إلى القانون، وتعزيز الوعي، والحفاظ على البعد الإنساني.