آخر الأخبار

انتخابات أيار لم تُحسم… والسيناريوهات متعددة

شارك
يستعد لبنان لدخول مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقررة في الثالث من أيار المقبل، في وقت تتقاطع فيه الاستحقاقات الدستورية مع مرحلة إقليمية حسّاسة امتدت على مدار السنوات الماضية. وفي ظلّ الضبابية التي تحيط بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية ، وارتفاع أهمية ملف حصرية السلاح على سلّم أولويات المجتمعين الدولي والعربي، يبدو الاستحقاق النيابي أكثر تعقيدا من مجرّد عملية انتخابية روتينية.

من الناحية الرسمية، يصر رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة على تثبيت موعد الانتخابات، معتبرين إياه اختبارا حقيقيا لعودة الانتظام إلى مؤسسات الدولة، ورسالة سياسية واضحة إلى الداخل والخارج حول قدرة لبنان على الفصل بين استحقاقاته الدستورية والتجاذبات الإقليمية. وفي هذا الإطار، شدد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على أن الالتزام بإجراء الانتخابات ابتداء من 3 أيار يشكل موقفا رئاسيا ثابتا، مشيرًا إلى أن أي أفكار لتأجيلها تقع ضمن صلاحيات السلطة التشريعية وحدها، من دون أن تؤثر في إرادة الرئاسة بالالتزام بالموعد الدستوري.

وأكد رئيس مجلس النواب نبيه بري ، بدوره، أن الانتخابات ستُجرى وفق القانون الحالي، وأن أي صعوبات تقنية لن تمنع الاستحقاق من اكتساب شرعيته، مستدلًا بتجارب سابقة، مثل انتخابات عام 1992. وأوضح بري أن الحكومة ليست مطالبة بأي دور جوهري قبل الانتخابات، مشيرًا إلى أن أي تعديل على القانون، بما في ذلك اقتراحه بإلغاء المقاعد الستة في الخارج في مقابل اقتراع المغتربين في الداخل، لم يُقبل، ما يعزز ضرورة تطبيق القانون كما هو، من دون تأجيلات غير دستورية.

ورغم هذا الإصرار الرسمي، لا يمكن إخفاء حجم التعقيدات التي تحيط بالاستحقاق النيابي. فالقضية الأساسية لم تعد مسألة تقنية تتعلّق بتطبيق قانون الانتخابات فحسب، بل تحوّلت إلى مسألة سياسية بالدرجة الأولى. ويبرز النقاش حول قانون الانتخاب، ولا سيّما مسألة اقتراع المغتربين وإحداث الدائرة السادسة عشرة، بوصفه انعكاسا لانقسامات سياسية حادة تتجاوز البعد التقني لتطال التوازنات النيابية المستقبلية.

وفيما دخلت العملية الانتخابية، من الناحية العملية، مرحلة جدية بعد توقيع وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في 3 أيار، وفتح باب الترشيح من 10 شباط حتى 10 آذار، فإن العملية الانتخابية لا تزال تشوبها مخالفات قانونية عديدة، أبرزها ما يتعلّق بالانتخابات في الخارج والبطاقة الممغنطة، حيث لم تسكتمل الإجراءات التقنية بعد، والمواعيد الزمنية ضيّقة للغاية لإتمام الاقتراع بطريقة قانونية كاملة.

في الوقت نفسه، تتقدم قضية حصرية السلاح كشرط غير معلن لإتمام الانتخابات، في ظلّ مقاربة دولية تركّز على الاحتواء ومنع الانفجار الأمني أكثر من السعي إلى تسويات جذرية. ويتجلى هذا الموقف في سلوك الموفدين الأجانب، الذين لم يدرجوا الاستحقاق النيابي بندا أساسيا في لقاءاتهم، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الانتخابات تشكّل أولوية فعلية لدى الخارج، أم مجرد ورقة تؤجل إلى أن تتّضح الصورة الإقليمية.

وفي هذا السياق، قدّم النائب أديب عبد المسيح، بتاريخ 2 شباط 2026، اقتراح قانون معجّلًا ومكرّرًا يقضي بتمديد ولاية المجلس النيابي القائم حتى تاريخ أقصاه 31 أيار 2027. وأكد أن الاقتراح يهدف إلى حل عقدة قانون الانتخاب وضمان إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، من خلال منح مهلة إضافية لتسوية الخلافات القانونية والسياسية. وأشار في تصريح له إلى أنه استطلع آراء الكتل النيابية قبل تقديم الاقتراح، فتبين له أن غالبية هذه الكتل تميل إلى تمديد الولاية لسنتين وليس أقل، علما أنه أشار أيضا خلال دردشة مع الصحافيين في البرلمان إلى أن التمديد قد يبدأ بسنة واحدة كحدّ أدنى.
وعليه، تتحدث مصادر سياسية عن احتمال عقد جلسة للتأجيل التقني، قد تتحوّل إلى تمديد للمجلس النيابي لسنتين على الأرجح، رغم المعطيات التي تشير إلى تمديد لسنة واحدة فقط. ويعكس هذا السيناريو وجود ضغط خارجي لتثبيت هذا التمديد، لأن المجلس المقبل سيكون مسؤولًا عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وفي هذا الإطار، يتيح التمديد لمدة سنتين للرئيس نبيه بري البقاء في موقعه رئيسًا للمجلس الحالي، على أن يتولّى المجلس الجديد انتخاب رئيس مجلس جديد بعد انتهاء هذه المدّة.

وفي هذا السياق، تتضح الحسابات السياسية وراء مواقف القوى السياسية بالنسبة إلى الاستحقاق النيابي. فهذه القوى، رغم تمسكها العلني بموعد الانتخابات، تبدي رغبة ضمنية في التأجيل، سواء لضمان نتائج ملموسة في ملف نزع السلاح، أو لانتظار انتهاء ولاية الرئيس عون، بحيث يتمكن المجلس المقبل من انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وتعد توازنات المجلس المقبل محورية بالنسبة إلى طموحات بعض القادة، إذ قد تخدم هذه التوازنات وصولهم إلى رئاسة الجمهورية.

وتشير المعلومات إلى أن حزب "القوات اللبنانية "، برئاسة الدكتور سمير جعجع، ورغم تمسّكه إعلاميا بإجراء الانتخابات في موعدها، يفضّل التأجيل، انطلاقا من قناعته بأن نزع السلاح والتضييق على الحزب سينعكسان، وفق قراءته، على معادلات الداخل ونتائج الانتخابات بعد سنة أو سنتين. ويستند هذا التقدير إلى اعتقاده بأن بيئة "الحزب" لن تبقى على ما هي عليه اليوم لجهة الالتفاف حوله. وفي هذا السيناريو، قد يخدم التمديد المؤقّت للمجلس الحالي مصلحته، في ظل التوازنات التي ستحكم عمل المجلس بعد خرق المعارضة الشيعية ل"الثنائي"، ودوره في الانتخابات الرئاسية بعد انتهاء ولاية الرئيس عون.

باختصار، يواجه لبنان استحقاقا نيابيا مضطربا قبل شهرين من انطلاقه، بين نصوص قانونية صعبة التطبيق، وضغوط سياسية معقدة، وحسابات إقليمية ودولية دقيقة. وبناء على ذلك، تبقى الانتخابات على مفترق طرق، بين احترام الدستور ومواجهة التحديات الأمنية والسياسية، وسط سباق داخلي وخارجي لتحديد شكل المجلس النيابي المقبل، الذي سيكون له تأثير مباشر في مستقبل الرئاسة وتوازنات السلطة في لبنان.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا