"أُنظُر الى لبنان َ، هُنا، حَيثُ يَتَنَفَّسُ البَردُ
حَيثُ القَوسُ الجَبَلِيَّةُ الخَضراءُ والنَدى الساحِرُ.
بَساتينُ تَكتَسي بِالزَهرِ تَتَدَثَّرُ بِالرَبيعِ.
هُنا، خَلفَ السَحابَةِ حَيثُ أَختَبِئُ،
ثُلوجٌ عَميقَةٌ عَميقَةٌ، وَصُخورٌ جَليدِيَّةٌ
(...).
في ظِلِّ أرزَةٍ هُنا، تُنازِعُ زَهرَةٌ شاحِبَةٌ
تُصارِعُ جَليداً عَنيداً يُحاصِرُها بِغَضَبٍ
هوَذا حُبّي يُنازِعُ وَيَحتَرِقُ بِهُدوءٍ
وَحَريقُهُ يُلهِبُ كيانيَ كُلَّهُ".
هوَذا Кри́мський Агата́нгел Ahatanhel Krymsky أغاتانغِل كريمسكي يُنشِدُ هَذا الُلبنانَ، في ديوانِهِ "سُعَفُ النَخيلِ"Пальмове гілля Екзотичні поезії .
هوَ الأوكرانيُّ الأكاديميُّ، كَبيرُ المُستَشرِقينَ والمؤَرِّخينَ، أحَدُ أكبَرِ الشَخصِيَّاتِ العِلمِيَّةِ العالَمِيَّةِ، عاشِقُ لبنانَ بِبَيروتِهِ التي أبحَرَ إلَيها وَهوَ في الخامِسَةِ والعِشرينَ مِن عُمرِهِ، في 2 تِشرينَ الأوَّلِ 1896 وَبَقيَ فيها حَتَّى 14 أيَّارَ 1898. وَكانَ أن وَصَفَها في رِسالَةٍ الى شَقيقَتِهِ بِ"الأشبَهَ بِ أوديسا ‒الرائِعَةِ، مَركَزِ الحَياةِ الفِكرِيَّةِ. لَيسَت موسكو أو كييفَ العَرَبِيَّةَ، بَل أوديسا العَرَبِيَّةَ".
هوَ الذي إستَقَرَّ في دارَةِ ذَوي مُعَلَِّمِهِ في مَعهَدِ لازاريفَ، ميخائيلَ عَطا الله، في حَيِّ الرِمَيلِ، يَكتُبُ في أُولى رَسائِلِهِ لِوالِدِهِ عَن تِلكَ البَيروتَ-لبنانَ: "هيَ الجَميلَةُ بِشَكلٍ مُدهِشٍ". وَيَكتُبُ لِشَقيقِهِ: "في أيِّ ساعَةٍ مِنَ النَهارِ، بَيروتُ جَميلَةٌ، حَتَّى في حَرِّ النَهارِ، وَأنتَ مُغَطَّى بِالعَرَقِ (...). هَذِهِ أجمَلُ مُدُنِ الشَرقِ الَتي رَأيتُها. (...). القُسطَنطِينِيَّةُ جَميلَةٌ مِنَ البَحرِ، لَكِنَّها قَبيحَةٌ مِنَ الداخِلِ، أمَّا بَيروتُ فَجَميلَةٌ مِنَ الداخِلِ أيضاً." وَفي رِسالَةٍ أُخرى: "وَجَدتُ نَفسيَ فَجأةً، بِغَيرِ قَصدٍ، خارِجَ المَدينَةِ، عَلى مُرتَفَعٍ عالٍ، وَوَقَفتُ مَذهولاً. إلى اليَسارِ بَيروتُ كُلُّها كَما لو أنَّها عَلى كَفِّ اليَدِ، وإلى اليَمينِ، في الأسفَلِ، يَتَغَلغَلُ خَليجُها عَميقاً في لبنانَ. (...). ثُمَّ، خَلفَ السَهلِ الساحِليِّ، سِلسِلَةُ جِبالٍ مُحاطَةٍ بِالضبابِ المُنسَدِلِ عَلى المُنحَدَراتِ. قِمَّةُ إِحداها أعلى بِكَثيرَ مِنَ الضَبابِ." وَقُرابَةُ السَنَةِ، يُضيفُ: "تَفَحَّصتُ كُلَّ ضَواحيها النائِيَةِ، لَكِنَّ الأجمَلُ المَدينَةَ نَفسَها، بَيروتَ. ما أكبَرَها، ما أجمَلَها، ما أروَعَها! (...). في تِلكَ الَلحظَةِ، شَعِرتُ بِقُوَّةٍ كَيفَ تَعَلَّقتُ بِهَذِهِ المَدينَةِ الجَميلَةِ. (...)، هيَ وَطَنيَ الثانيَ."
ضَبطُ البَقاءِ
هيَ الوَحشَةُ عَينُها تَلتَهِمُ العالَمَ، حينَ العالَمُ يَتَهاوى بِالظُلمِ، بِالعُنفِ، بِجَشَعِ العَدَمِ المُستَميتِ إٍبتِلاءً مِن قَويٍّ عَلى ضَعيفٍ، مِن مُستَبِدٍّ عَلى صاحِبِ حَقٍّ، مِن مُتَوَحِّشٍ عَلى مُرتَفِعٍ بِالقيَمِ.
ها مَرتَبَةُ الوجودِيَّةِ، في أدَقِّ تَراكيبِها، تَعتَلي بِالوجودِ بِوَجهِ مَن يَبغي عَدَمَ الوجودِ. بِلا رياءٍ وَلا تَهَرُّبٍ.
أأقولُ: ذُروَةُ مواجَهَةِ الطاغيَ بِطُغيانِهِ... بِقُوَّةِ ضَميرِ البَقاءِ بِوَجهِ الفَناءِ؟
قُلّ: أقوى بَعدُ.
هيَ الوجودِيَّةُ في أبهى مَراتِبِها: ضَبطُ البَقاءِ بِالإنسانِيَّةِ الحَيَّةِ. بِذاتِيَّةِ المَوجودِ بِالفِعلِ المُحَدِّقِ بِإخلاصٍ بِفِعلِ الوجودِ.
أها هُنا ذُروَةُ السُموِّ؟ هيَ مِن لبنانَ-بَيروتَ، مِن بَيروتَ-لبنانَ إلى مَدى كُلِّ إطلاقٍ كَونيٍّ يُصارِعُ "الجَليدَ" بِ"لَهيبٍ" مِن داخِلٍ لا يَسقُطُ بِالدَمِّ لِأنَّهُ بِالحُبِّ يَعتَلي "وَطَناً ثانياً". يُخاطِبُ، يَنذَهِلُ. بَينَ تَلاحُمِ ثُنائِيَّةٍ ثالوثِيَّةٍ: "أنا"، "أنتَ/أنتِ"، "نَحنُ". "أنا"، "هُمُ/هُنَّ"، "أنتُمُ/أنتُنَّ".
هوَ الأوكرانيُّ الكَبيرُ، بِهَذا الحُبِّ أدرَكَ سِرَّ لبنانَ. بَلَغَهُ. "تَنَفَسَّهُ" لا ضَميرَ الغائِبِ بَل ضَميرَ المُخاطَبِ-المُخاطِبِ. مَرتَبَةُ الوجودِيَّةِ المُتَكَلِّمَةِ، المُنشِدَةِ الَّلامَحدودَ، المُخَلِّصَةِ مِن كُلِّ وَحشَةٍ.
هوَ الأوكرانيُّ الكَبيرُ، بِهَذا الحُبِّ أدرَكَ سِرَّ لبنانَ. بَلَغَهُ. صارَهُ. ضَميرَ الجَمعِ المُتَكَلِّمِ تَوكيداً لِلخَلاصِ الجامِعِ. بِالبَهاءِ. بِالجَمالِ. بِالتَصويبِ المُتَنَفِّسِ الصُعَداءَ حُرِيَّةً.
هوَذا لبنانُ عَجَبُ المُطلَقِ، أعلاهُ أوكرانيٌّ.
وَأنتَ؟
المصدر:
النشرة