كتبت غادة العريضي: بدقّة متناهية وحذر شديد، يُدار ملف المنطقة اليوم تحت ثقل توازنات أميركية–إسرائيلية–إيرانية، مع تدخلات تركية وسعودية وقطرية ومصرية تهدف إلى منع انزلاق الإقليم نحو أتون حرب واسعة، تُعدّ كلفتها الأعلى على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحديداً على نظامها.
في هذا السياق، تترافق التحضيرات للاجتماع الأميركي–الإيراني المرتقب مع حركة اتصالات إقليمية مكثفة، تُطرح خلالها قضايا أساسية، وتُسجَّل مناورات وتجاذبات حادة. فماذا في الكواليس؟
مصادر سياسية مطلعة ومواكبة، على تواصل مع جهات تلعب دوراً أساسياً في تهيئة ظروف نجاح الاجتماع والخروج بنتائج تُجنّب المنطقة حرباً كبرى في حال فشله، كشفت لـ«
لبنان 24» أن اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن عن لقاء بين واشنطن وطهران، هو ثمرة اتصالات أجرتها
السعودية وقطر ومصر، إلى جانب تركيا، مع الجانب الأميركي لتغليب المسار الدبلوماسي على الخيار الأمني. وقد قوبل ذلك باستعداد إيراني للدخول في التفاوض.
في المقابل، كثّفت تركيا والدول الداعمة للحوار اتصالاتها على الخط الأميركي–الإيراني، فيما ركّزت
إسرائيل جهودها حصراً على واشنطن، انطلاقا من موقفها الرافض لأي حوار أو اتفاق، والداعي إلى إسقاط النظام الإيراني والتخلّص مما تسميه «الحالة التي كلّفت المنطقة كثيراً، وتحمّلت إسرائيل العبء الأكبر في مواجهتها».
أما الشروط الأميركية فتلخّصت في: عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وقف التخصيب بالكامل، الاتفاق على مكان إيداع نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب، وتفكيك البرنامج الصاروخي البالستي. وردّت طهران بالتأكيد أن امتلاك السلاح النووي ليس جزءاً من عقيدتها، وأن مشروعها سلمي ومشروع، مستندة إلى فتوى صادرة عن المرشد الأعلى تحرّم امتلاك هذا النوع من السلاح.
هذا الموقف الإيراني، وإن فتح الباب أمام تسوية تتيح لطهران الخروج من المأزق من دون الظهور بموقع الخاضع للضغوط، إلا أنها تمسّكت ببرنامجها الصاروخي بوصفه «دفاعياً»، واشترطت رفع العقوبات فور توقيع أي اتفاق نووي. في المقابل، تمسكت واشنطن بمطالبها، معتبرة أن التجربة السابقة مع إيران غير مشجعة، وقالت بوضوح: «ضربنا مشروعها في الصميم، لكنها أعادت بناء قوتها». وأكدت للقوى الوسيطة استعدادها لتقديم ضمانات تتعلق بالسلاح الدفاعي.
في المقابل، طرحت إيران علامات استفهام جوهرية: من يضمن عدم انسحاب أي إدارة أميركية مقبلة من الاتفاق؟ ومن يضمن عدم تراجع ترامب نفسه؟ والأهم: من يضبط إسرائيل؟
الرد الأميركي كان حاسماً: واشنطن ليست في موقع اختبار أمام إيران، ولا تقبل أن تُبتزّ «لم نرسل قواتنا إلى المنطقة لهذا الغرض، نحن نعمل لإبقاء المبادرة بأيدينا ولجم إسرائيل، وهذه تجربة غزة».
وتشير كثافة اللقاءات التي عقدها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، من اجتماعه مع نتنياهو
في إسرائيل ، إلى زيارة رئيس الموساد ورئيس أركان الجيش
الإسرائيلي واشنطن، إضافة إلى التحضيرات لزيارة نتنياهو، إلى حجم الضغط الإسرائيلي الساعي لاستثمار اللحظة لإضعاف النظام الإيراني وعدم تفويت ما تعتبره اسرائيل «فرصة تاريخية».
في هذا الإطار، أثار الدور التركي المتصاعد انزعاجاً إسرائيلياً واضحاً، وسط انعدام الثقة بالرئيس أردوغان، ورفض تعزيز موقعه كوسيط بين واشنطن وطهران. في المقابل، شددت
إيران على عدم استبعاد عُمان، التي تصفها بالوسيط «النزيه والصادق»، والتي قطعت معها أشواطاً متقدمة قبل أن يُسقط المسار بفعل الموقف الأميركي–الإسرائيلي.
إسرائيل من جهتها أعادت التأكيد أن الصواريخ البالستية الإيرانية، التي تصفها طهران بالدفاعية، ما زالت تشكل تهديداً مباشراً عبر لبنان، وأن الميليشيات التابعة لإيران ترفض تنفيذ قرارات دولية واتفاقات برعاية أميركية. واعتبرت تل أبيب أنها الطرف الذي يحتاج إلى ضمانات، محذّرة من أنها ستواصل حربها «الدفاعية» ما لم يتم الضغط على إيران وأدواتها، ومشددة على أن ضرب إيران قد يصبح الخيار الوحيد لفرض الرضوخ.
ورغم هذا التصعيد، ما زالت واشنطن وطهران متمسكتين بخيار التفاوض، حتى إن حادثة إسقاط طائرة مسيّرة إيرانية قرب مدمّرة أميركية في بحر العرب لم تؤثر على المسار، إذ أكدت واشنطن تمسكها بالحوار وإمكانية الوصول إلى نتيجة.
كل ذلك يجري فيما المنطقة مطوّقة بحاملات طائرات ومدمّرات، وإيران تلوّح بحرب واسعة، لكنها تدرك أن نتائجها قد تكون وجودية على نظامها.
الوسطاء يراهنون على «العقل الإيراني» وتجربة البراغماتية التاريخية، مستحضرين قرار الإمام الخميني بوقف الحرب مع العراق. اليوم، المشهد أكثر تعقيداً، والأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة.