قد أكون واحدًا من بين كثيرين من الصحافيين المخضرمين، الذين واكبوا الحركة السياسية اللبنانية بكل تفاصيلها من ألفها إلى يائها، وبالأخصّ في فترة رجال الدولة الكبار كالرئيس كميل شمعون والعميد ريمون أده والشيخ بيار الجميل والرئيس الشهيد رشيد كرامي والأمام المغيب موسى الصدر والزعيم الشهيد كمال جنبلاط والمير مجيد أرسلان وغيرهم كثيرون من رجال دين ودنيا، وبالأخصّ الرئيس الشهيد بشير الجميل والرئيس الشهيد رفيق الحريري .
وبحسب ما أذكر أنه، وعلى رغم الخلاف السياسي الحاد المطبوع برائحة البارود في زمن ما سمي بـ "الحرب الأهلية" بين محوري "الحركة الوطنية" و"الجبهة اللبنانية"، لم نكن نسمع خطابًا سياسيًا واحدًا خارج الآداب المتعارف عليها في السلوكيات المتوارثة، ولكن من دون أن يعني ذلك أن المواقف التي كانت تُعلن من كلا الجانبين كانت مهادِنة، بل وصلت إلى حدود سياسية عالية السقوف، ولكن من دون المغالاة في الاسفاف والتجريح بالشخصي.
أمّا ما نشهده اليوم من تراشق كلامي بين الأفرقاء السياسيين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي المنصات والمواقع الإخبارية، التي أصبح عددها مرتفعًا كثيرًا، ومن دون ضوابط مهنية وأخلاقية، قد تخطّى السقف التقليدي للخصومة بين رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع وبين رئيس "
التيار الوطني الحر " النائب
جبران باسيل ، ليلامس ما يمكن وصفه بـ "الخطوط الحمر".
ففي إطار سعيهما لشدّ العصب المسيحي وتثبيت مواقع النفوذ داخل الشارع نفسه قبل أشهر معدودة على موعد الانتخابات النيابية المقبلة، في حال لم تمدَّد لشهرين أو سنتين، فتح الطرفان النار على بعضهما البعض مستخدمين أدوات و"أسلحة" محظّرة. فبعد مرحلة من وقف نسبي للسجال بين "القوات" و"الوطني الحر" منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية وتشكيل الحكومة وانشغال كل الأطراف بملف سلاح "
حزب الله "، ارتأى "
التيار " إطلاق معركته الانتخابية باكرًا باعتباره جزءًا من المعارضة، واختار ملف الكهرباء ليدخل من خلاله إلى "الحصن القواتي"، باعتبار أن موضوع الكهرباء بما يحيط به من ملابسات منذ اليوم الأول لتسّلم "التيار" حقيبة الطاقة، كافٍ لوحده لكي "يكهرب" الجو بين "معراب" و"ميرنا الشالوحي"، محاولًا بذلك التصويب على أداء الوزير القريب من "القوات" جو الصدي"، وذلك عبر حملات مكثفة لإظهار "الوزير القواتي" بموقف العاجز أمام معضلة عمرها من "عمر الخبز".
وحيال هذا السجال، الذي لا نهاية له، على ما يبدو، نسأل عن تداعيات هذه الحملات على الساحة المسيحية، وبالتحديد عشية انتخابات نيابية يسعى كل من "القوات" و"التيار" إلى حصد نتائجها المبكرة.
في رأي بعض الخبراء في الشأن الانتخابي أنه يمكن البناء على هذا المشهد لتوقّع تداعيات تتجاوز مجرد سجال انتخابي عابر، لأن الصراع هنا ليس على مقعد أو دائرة، بل على المرجعية داخل الشارع المسيحي وعلى تعريف من يمثّل هذا الشارع في المرحلة المقبلة.
أولى هذه التداعيات هو رفع منسوب الاستقطاب الداخلي إلى حدّ قد يعيد إنتاج انقسام عمودي داخل البيئة المسيحية نفسها. وهذا النوع من التعبئة قد ينجح انتخابيًا على المدى القصير، لأنه يشدّ العصب ويحرّك القواعد، لكنه يترك أثرًا تراكميًا خطيرًا من حيث تحويل المنافس السياسي إلى خصم وجودي، لا إلى شريك محتمل في السلطة. وعندها تصبح أي تسوية بعد الانتخابات أكثر صعوبة، لأن الجروح تكون قد فُتحت على مستوى الجمهور، وليس على مستوى القيادات فقط.
ثانيًا، هذه الحملات من شأنها أن تُضعف القدرة التفاوضية الجماعية للمسيحيين داخل النظام، إذ أنه كلما ارتفع منسوب الصراع المسيحي–المسيحي، تراجعت القدرة على فرض شروط في التسويات الوطنية الكبرى، خصوصًا أن القوى الأخرى تراقب وتستفيد من الانقسام، فيما يتحول الصوت المسيحي إلى أصوات متناحرة بدلًا من أن يكون ورقة ضغط موحّدة أو شبه موحّدة في الملفات المصيرية.
ثالثًا، هناك خطر تطييف النقاش الإنمائي. فملف الكهرباء، مثل غيره من الملفات الخدماتية، يفترض أن يكون موضوع مساءلة تقنية ومالية وإدارية. لكن حين يُزجّ في معركة كسر عظم انتخابية، يفقد بعده الإصلاحي ويتحوّل إلى أداة تعبئة. والنتيجة أن الجمهور لا يعود يسمع برنامجًا، بل يسمع اتهامات متبادلة، فيما تبقى الأزمة نفسها بلا حل.
رابعًا، على مستوى المزاج العام، قد يؤدي الإفراط في السجال إلى تعب الناخب المسيحي بدل تحفيزه. فجزء من
القاعدة الشابة تحديدًا بات أقلّ قابلية للتفاعل مع خطاب التخوين والشيطنة، وأكثر حساسية تجاه الأداء الاقتصادي والاجتماعي. وإذا شعر هذا الجمهور أن المعركة مجرد إعادة تدوير لخصومات قديمة، فقد يختار العزوف بدلًا من الانخراط.
فهذه السجالات العقيمة قد تمنح "القوات" و"التيار" مكاسب تعبويّة سريعة، لكنه يحمل في داخله بذور إضعاف الساحة المسيحية سياسيًا إذا خرج عن السيطرة. وفي الوقت الذي تتركز فيه اهتمامات "التيار" في الانتخابات المقبلة على التصدي لتآكل إضافي لكتلته النيابية، خاصة إذا قرر عدم التحالف مع "حزب الله"، ما قد يخسره خمسة مقاعد نيابية، لا يحصر جعجع اهتماماته بتحجيم باسيل، انما يسعى إلى التوسع على حساب المستقلين والتغييريين "الرماديين".
بالخلاصة، يبدو واضحًا أن ما نشهده اليوم ليس مجرد سجال عابر، انما فصل أول من فصول معركة انتخابية مسيحية ـ مسيحية ستزداد حدّة كلما اقترب موعد الاستحقاق النيابي.