خلال أيام قليلة فقط، عاش العالم على أعصابه بعد ارتفاع حاد للمعدن الاصفر خلال فترة أسبوع في ظل مخاوف سياسيّة وأمنيّة عالمية، منسوب الخطر من اندلاع حرب بين الولايات المتّحدة والجمهورية الاسلاميّة في ايران، مصحوبة بالحشود العسكرية الضخمة للبوارج الحربيّة والقطع العسكرية في منطقة الشرق الاوسط و الخليج ، مما جعل العالم في حالة من الترقّب والخوف لا سيّما أن أي خطأ في الحسابات السياسيّة قد تجعلى من الامور معرّضة للانزلاق الى حربٍ اقليميّة.
الى ذلك، انتقل الذهب من حالة نشوة استثنائية بعد بلوغه مستويات تاريخية قاربت حدود 5600 دولار للأونصة، إلى مسار تنازلي حاد أوصله إلى ما دون 4650 دولاراً، في حركة بدت للوهلة الأولى صادمة حتى لأكثر المتابعين تمرساً في أسواق المعادن الثمينة. الرسم البياني المرفق يرسم بوضوح هذا التحوّل الدراماتيكي: قمم متتالية تلتها موجة بيع كثيفة، كسرت خلالها الأسعار مستويات دعم متتابعة، ما يعكس انتقال السوق من منطق “الخوف والاندفاع” إلى منطق “جني الأرباح وحماية المكاسب”.
تقنياً، يظهر الخط السعري سلسلة قمم هابطة وقواعد أدنى، وهو نمط كلاسيكي يدل على دخول السوق في مرحلة تصحيح واسعة بعد صعود مبالغ فيه. هذا النوع من الحركات لا يعني بالضرورة نهاية الاتجاه الصاعد على المدى الطويل، لكنه يؤكد أن الأسعار سبقت الواقع الاقتصادي بوتيرة أسرع من قدرة الأسواق على استيعابها.
السبب الأول لهذا التراجع يعود إلى قيام صناديق الاستثمار الكبرى والمتداولين المؤسساتيين بتسييل جزء من مراكزهم الرابحة. فبعد أشهر من الارتفاع المتواصل، أصبحت مراكز الشراء متضخّمة إلى حدّ جعل أي خبر إيجابي للدولار أو أي إشارة إلى تشدد نقدي كفيلة بإطلاق موجة بيع تلقائية.
السبب الثاني يرتبط بتحسّن نسبي في شهية المخاطرة عالمياً، مع عودة بعض المستثمرين إلى أسواق الأسهم والسندات، خصوصاً مع صدور بيانات تشير إلى تباطؤ التضخم في عدد من الاقتصادات الكبرى وإمكانية تثبيت أو تخفيف وتيرة التشديد النقدي لاحقاً. هذه المعطيات خففت الحاجة الملحّة إلى الاحتماء بالذهب كملاذ آمن في المدى القصير.
إلى جانب ذلك، لعبت التحركات في سوق العملات دوراً أساسياً. فارتفاع الدولار الأميركي ولو بشكل محدود يضغط عادة على أسعار الذهب المقوّمة بالدولار، ويجعل المعدن أقل جاذبية لحاملي العملات الأخرى، ما يعزّز عمليات البيع.
غير أن ما يجري لا يمكن فصله عن حقيقة أساسية: الأسواق لم تتخلَّ عن الذهب، بل تعيد تسعيره ضمن نطاق أكثر واقعية بعد موجة صعود استثنائية. بمعنى آخر، نحن أمام تصحيح قاسٍ، لا أمام انهيار بنيوي.
في هذا السياق، يكتسب كلام الخبير المالي وليد أبو سليمان أهمية خاصة، حين يشير إلى أن لبنان “فوّت فرصة تاريخية للاستفادة من صعود الذهب”، ثم وجد نفسه في مواجهة الخسائر عندما بدأ المسار التصحيحي. فبينما كان الذهب يسجل مكاسب قياسية عالمياً، بقيت إدارة الاحتياطات الذهبية اللبنانية أسيرة الجمود، من دون استراتيجية واضحة للتحوّط الجزئي أو لتثبيت جزء من الأرباح.
ويؤكد أبو سليمان أن التحوّط الجزئي كان يمكن أن يحمي لبنان من جزء كبير من تقلبات السوق، عبر استخدام أدوات مالية حديثة تضمن حدّاً أدنى من القيمة من دون التفريط بالذهب نفسه. لكن ما حصل هو العكس: لبنان بقي مكشوفاً بالكامل على اتجاه واحد، فخسر فرصة الاستفادة من الصعود، ويتحمّل اليوم كلفة الهبوط بخسارة دفترية بقيمة ١٠ مليارات $، كان بالامكان تجنبها لو كان هناك الوعي الكامل، فلبنان يرزح اليوم أولا تحت عبء الرواتب التي لا تساوي شيئا مقارنة بما هو مفترض أن يكون عمليًّا، وثانيا تحت عبء إعادة اموال المودعين المحجوزة اموالهم في المصارف منذ قرابة سبع سنوات. فهل تعني ضياع 10 مليارات دولار بيوم واحد تعني شيئًا لمن يتمترسون في السلطة؟.
الانعكاسات لا تقتصر على الأرقام، بل تطال الثقة. ففي بلد يعاني أصلاً من أزمة مالية غير مسبوقة، كان يمكن لإدارة ذكية لاحتياطات الذهب أن تشكّل عنصر طمأنة إضافياً للمودعين وللأسواق. أما اليوم، فإن أي تراجع حاد في قيمة الذهب عالمياً ينعكس قلقاً مضاعفاً في الداخل اللبناني.
بالعودة الى ما يتعلّق بسوق الذهب تحديداً، تبدو الأشهر الثلاثة المقبلة مفتوحة على مجموعة من السيناريوهات المتباينة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي عالمياً وتقلّبات الأسواق المالية . في السيناريو الأوّل، قد يواصل الذهب مساره الصعودي إذا استمرّ الضغط على الدولار الأميركي وتصاعدت المخاوف من تباطؤ اقتصادي أو عودة موجات تضخّم، ما يعزّز توجّه المستثمرين نحو المعدن الأصفر كملاذ آمن، وهو ما قد ينعكس ارتفاعاً إضافياً في أسعاره عالمياً ومحلياً. أمّا السيناريو الثاني، فيفترض استقراراً نسبياً في الأسعار ضمن نطاق ضيّق، في حال توازن العوامل المتناقضة بين تشديد السياسات النقدية من جهة، واستمرار التوترات الجيوسياسية والمالية من جهة أخرى، ما قد يُبقي الذهب في حالة تذبذب من دون اتجاه واضح. وفي السيناريو الثالث، قد يتعرّض الذهب لتصحيح محدود في الأسعار إذا شهد الدولار تحسّناً ملحوظاً أو أظهرت المؤشرات الاقتصادية العالمية علامات تعافٍ أسرع من المتوقع، الأمر الذي قد يدفع بعض المستثمرين إلى تقليص حيازاتهم من المعدن المذكور والعودة إلى الأصول ذات العائد. وبذلك، تبقى حركته في المرحلة المقبلة مرهونة بتطوّرات الاقتصاد العالمي، واتجاهات السياسات النقدية، ومستوى القلق في الأسواق، ما يجعل من الصعب الجزم بمسار واحد حاسم خلال المدى القصير.
تجدر الاشارة الى أن التصحيح الحاصل يعود إلى مرحلة إعادة تموضع في الأسواق. فالمستثمرون يعيدون توزيع محافظهم بين الذهب والأسهم والسندات والنقد، في ظل ضبابية اقتصادية مستمرة، لكنها أقل حدّة مما كانت عليه خلال الأشهر الماضية. أما على المدى المتوسط، فلا تزال غالبية الدراسات ترى أن الذهب سيحتفظ بجاذبيته كأداة تحوّط، وإن ضمن نطاقات سعرية أكثر توازناً.
في الخلاصة، ان ما نشهده اليوم هو نتيجة طبيعية لفجوة واسعة بين السعر والقيمة، بفجوة غذّاها الخوف العالمي ثم بدأت تُردم عبر التصحيح. أما لبنان، فالقصة أعمق: إنها قصة بلد يملك أحد أكبر احتياطات الذهب نسبة إلى حجم اقتصاده، لكنه يفتقر إلى الرؤية والاستراتيجية لاستثمار هذا المورد بحكمة، فيدفع الثمن في الصعود كما في الهبوط.
المصدر:
النشرة