باتت الاستدانة في لبنان أقرب إلى "آلية معيشة" منها إلى قرار مالي. تقرير بحثي حديث لمنظمة "DRC" الدنماركية، أُنجز بين نيسان وتشرين الأول 2025 يربط هذه الظاهرة مباشرةً بفجوةٍ حادة بين الدخل وكلفة الأساسيات، ويخلص إلى أن الأسر تستدين أساساً لتأمين الطعام والإيجار والطبابة، فيما يبقى سداد الديون هاجساً دائماً لكنّه يأتي غالباً بعد تأمين الضروري. حيث تتداخل المساعدات النقدية مع دين الأسر، والمساعدة النقدية تُقدّم "إغاثة ضرورية" لكنها قصيرة النفس، وغالباً لا تكفي لتغيير مسار المديونية على المدى الطويل .
في نتائج المسح الكمي، قرابة 74% من الأسر قالت إن ديونها زادت خلال السنة الماضية، حيث حوّلت خسارة الدخل والتضخم وفجوات المساعدات الاستدانة من حلّ مؤقت إلى مديونية مزمنة. وفي المقابل، تكشف النتائج عن حدود المساعدة النقدية متعددة الأغراض، إذ 85% من المستفيدين قالوا إنها تلبي جزءاً فقط من احتياجاتهم، و90% قالوا إن أثرها لا يستمر لأكثر من أقل من أسبوعين. والأهم أن الديون "تعود بسرعة" بعد توقف الدفعات، حتى لو خفّ الضغط مؤقتاً وتحسّنت العلاقة مع الدائنين لفترة قصيرة.
في لبنان، تحصل الاستدانة بمعظمها عبر قنوات غير رسمية قائمة على الثقة، وغالباً من الأقارب والأصدقاء وأصحاب المتاجر والصيدليات، فيما لا تتجاوز نسبة من وصلوا إلى قنوات رسمية كالمصارف والتمويل الأصغر والتعاونيات "نحو خمسة بالمئة" من اللبنانيين. معظم الديون تُرتّب شفوياً (نحو 71%) وبلا فوائد تقريباً (98%)، وأكثر من نصفها بلا مهلة سداد ثابتة، ما يجعل السداد مرتبطاً بالضغط الاجتماعي أكثر من أي عقد أو ضمان.
وحسب التقرير، فإن التأخر عن السداد واسع الانتشار، مع تمديد المهل كاستجابة شائعة، لكن أيضاً مع وجود ضغط اجتماعي وتشهير أحياناً، وبلاغات محدودة عن مضايقات.
وحسب الارقام، فإنّ المساعدة تكون عادة بين 100 و145 دولاراً لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر. 52% من المستفيدين خفّضوا ديونهم و38% لم تتغير ديونهم، مع ملاحظة أن التحويلات الأطول والأكثر قابلية للتوقع كانت أكثر فعالية من الدفعات الأقصر أو لمرة واحدة. فالمشكلة ليست في وجود المساعدة بل في سقفها
الزمني والمالي أمام حجم
الفجوة . فحين يدوم أثر التحويل أقل من أسبوعين لدى الغالبية، يعود المنزل سريعاً إلى نقطة الصفر، وتبدأ الاستدانة من جديد لتغطية الاحتياجات نفسها.
في الحالة
اللبنانية ، الاستدانة لا تُخفّف الدَّين تلقائياً إلا إذا جاءت ضمن سلّة إصلاحية واضحة تُحوّلها من "تمويل للعجز" إلى "إعادة هيكلة" تُخفّض الكلفة وتُعيد تنظيم الاستحقاقات. ما يمكن أن تفعله الاستدانة فعلياً هو شراء الوقت عبر تمديد آجال السداد أو استبدال دين قصير ومكلف بدين أطول وأقل كلفة، لكن هذا يبقى حلّاً تقنياً لا ينجح وحده إذا ظلّت الإيرادات ضعيفة والإنفاق بلا ضبط، وإذا بقيت الدولة تدفع من دون أن تُصلح ما ينتج العجز أساساً. أي قرض جديد من دون شروط مالية وإدارية صارمة، ومن دون نموّ يرفع المدخول الضريبي الحقيقي، يتحوّل سريعاً إلى عبء إضافي لأنه لا يحقق قدرة سداد بل يضيف خدمة دين جديدة.
عملياً، الاستدانة في لبنان غالباً ما تؤمّن "تنفّساً مؤقتاً" أكثر مما تؤمّن سداداً، لأن المشكلة ليست نقص سيولة فقط بل خلل بنيوي في
المالية العامة وفي الاقتصاد المنتج. حين تُستخدم القروض لتغطية نفقات جارية أو لردم فجوات مؤقتة، يعود الدين للتراكم فور انتهاء مفعول "الجرعة"، خصوصاً إذا كانت الفوائد مرتفعة أو الثقة مهزوزة أو العملة تحت ضغط. أما إذا وُجّهت الاستدانة نحو مشاريع ترفع الإنتاجية وتزيد الصادرات وتخفّض كلفة الدولة (كالكهرباء والحوكمة والتهرب الضريبي)، عندها تصبح "
ديناً استثمارياً" يُساعد على السداد لأنه يخلق مصادر تمويل مستدامة.